خرجت أريد الحجّ ، فمررت بالمنزل الذي تنزله خرقاء ، فأتيتها ، فإذا امرأة جزلة ، عندها سماطان [ 1 ] من الأعراب تحدّثهم [ 2 ] وتناشدهم ، فسلَّمت فردّت ، ونسبتني ، فانتسبت لها وهي تنزلني ، حتى انتسبت [ 3 ] إلى أبي ، فقالت : حسبك أكرمت [ 4 ] ما شئت ، ما اسمك ؟ قلت : صباح ، قالت : وأبو من ؟ قلت : أبو المغلَّس ، قالت :
أخذت أول الليل وآخره ، قال : فما كان [ 5 ] لي همّة / إلَّا الذّهاب عنها .
الحجاج الأسدي يزور خرقاء ، وتنشده شعرا لها في ذي الرمة
نسخت من كتاب محمد بن صالح بن النطَّاح : حدثني محمد بن الحجاج الأسديّ التميميّ - وما رأيت تميميا أعلم منه - قال :
حججت فلما صرت بمرّان منصرفا ، فإذا أنا بغلام أشعث الذّؤابة قد أورد غنيمات له فجئته فاستنشدته [ 6 ] ، فقال لي : إليك عنّي ، فإني مشغول عنك . وألححت عليه فقال : أرشدك إلى ما بعض ما تحبّ ، انظر إلى ذلك البيت الذي يلقاك فإن فيه حاجتك ، هذا بيت خرقاء ذي الرمة ؛ فمضيت نحوه فطوّحت بالسلام من بعيد ، فقالت : ادنه ، فدنوت ، فقالت : إنك لحضريّ ، فمن أنت ؟ قلت : / من بني تميم - وأنه أحسب أنها لا معرفة لها بالناس - قالت :
من أيّ تميم ، فأعلمتها ، فلم تزل تنزلني حتى انتسبت إلى أبي ، فقالت : الحجاج بن عمير بن يزيد ؟ قلت : نعم ، قالت : رحم اللَّه أبا المثنّى ! قد كنّا نرجو أن يكون خلفا من عمير بن يزيد ، قلت : نعم ، فعاجلته المنيّة شابّا ، قالت :
حيّاك اللَّه يا بنيّ وقرّبك ، من أين أقبلت ؟ قلت : من الحج . قالت : فما لك لم تمرّ بي وأنا أحد مناسك الحج ؟ إنّ حجّك ناقص ، فأقم حتى تحجّ أو تكفّر بعتق . قلت : وكيف ذلك ؟ قالت : أما سمعت قول غيلان عمّك :
تمام الحجّ أن تقف المطايا
على خرقاء واضعة اللَّثام
قال : وكانت وهي قاعدة بفناء البيت كأنها قائمة من طولها ، بيضاء شهلاء ، فخمة الوجه . قال : فسألتها عن سنّها ، فقالت : لا أدري إلَّا أني كنت أذكر شمر بن ذي الجوشن حين قتل الحسين عليه السلام ، مرّ بنا وأنا جارية ومعه كسوة فقسّمها في قومه ، قالت : وكان أبي قد أدرك الجاهلية وحمل فيها حمالات ، قال : ولما أنشدتني خرقاء بيت ذي الرّمة فيها قلت : هيهات يا عمّة ، قد ذهب ذلك منك ، قالت : لا تقل [ 7 ] يا بنيّ ، أما سمعت قول قحيف [ 8 ] فيّ :
وخرقاء لا تزداد إلَّا ملاحة
ولو عمّرت تعمير نوح وجلَّت
ثم قالت : رحم اللَّه ذا الرمة ؛ فقد كان رقيق البشرة ، عذب المنطق ، حسن الوصف ، مقارب الرّصف ، عفيف الطَّرف ، فقلت لها : لقد أحسنت الوصف ، فقالت : هيهات أن يدركه وصف ، رحمه اللَّه ، ورحم من سمّاه اسمه .
هامش
[ 1 ] السماط : الصف .
[ 2 ] ف : « تحادثهم » .
[ 3 ] ج : « حتى انتهيت » .
[ 4 ] ج : « كرمت » .
[ 5 ] ج : « فما كانت » .
[ 6 ] ف : « فحييته واستنشدته » .
[ 7 ] أ : « لا تغفل » .
[ 8 ] أ ، و « المختار » : « عجيف » . وانظر « المختار » 6 : 63 .