جاءنا العباس بن الأحنف يوما وهو كئيب ، فنشّطناه فأبى أن ينشط ، فقلنا : ما دهاك ؟ فقال : لقيتني فوز اليوم ، فقالت لي : يا شيخ ! وما قالت ذلك إلَّا من حادث ملال . فقلنا له : هوّن عليك ؛ فإنها امرأة لا تثبت على حال ، وما أرادت إلا العبث بك والمزاح معك . فقال : إني واللَّه قد قلت أقبح مما قالت ، ثم أنشدنا [ 1 ] :
هزئت إذ رأت كئيبا معنّى [ 2 ]
أقصدته الخطوب فهو حزين
هزئت بي ونلت ما شئت منها
يا لقومي فأيّنا المغبون !
فقلت له : قد انتصفت وزدت .
يمن جارية فوز تزعم أنه راودها
أخبرني محمد بن يحيى ، قال : حدثنا علي بن الصبّاح ، قال : حدثنا أبو ذكوان ، قال :
كانت لفوز جارية يقال لها يمن ، وكانت تجيء إلى العباس برسالتها ، فمضت إلى فوز ، وقد طلبت من العباس شيئا فمنعها إيّاه ، وزعمت أنه أرادها ودعاها إلى نفسه ، فغضبت فوز من ذلك ، فكتب إليها [ 3 ] :
لقد زعمت يمن بأني أردتها
على نفسها ، تبّا لذلك من فعل
سلوا عن قميصي مثل شاهد يوسف
فإنّ قميصي لم يكن قدّ من قبل [ 4 ]
معاتبة فوز له في جفائه ورده عليها
أخبرني محمد ، قال : حدثنا أحمد بن إسماعيل ، قال : حدثني سعيد بن حميد ، قال :
كانت فوز قد مالت إلى بعض أولاد الجند ، وبلغ ذلك العباس ، فتركها ولم ترض هي البديل بعد ذلك ، فعادت إلى العباس ، وكتبت إليه تعاتبه في جفائه ؛ فكتب إليها :
كتبت تلوم وتستريب زيارتي
وتقول لست لنا كعهد العاهد [ 5 ]
/ فأجبتها ودموع عيني جمّة
تجري على الخدّين غير جوامد !
يا فوز لم أهجركم لملالة
منّي ولا لمقال واش حاسد
لكنّني جرّبتكم فوجدتكم
لا تصبرون على طعام واحد
سرقته شعر أبي نواس
وقد أنشدني عليّ بن سليمان الأخفش هذه الأبيات ، وقال : سرقها من أبي نواس حيث يقول :
صوت
ومظهرة لخلق اللَّه ودّا
وتلقى بالتحيّة والسلام
أتيت فؤادها أشكو إليه
فلم أخلص إليه من الزّحام
هامش
[ 1 ] الديوان 260 .
[ 2 ] في أ : « كبيرا » ، وفي الديوان : « أن رأت غلاما » .
[ 3 ] ديوانه 213 .
[ 4 ] إشارة إلى ما جاء في سورة يوسف 26 : * ( إِنْ كانَ قَمِيصُه ُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ ) * .
[ 5 ] ديوانه 106 ، وفيه : « وتستريث زيارتي » .