تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأغاني — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
وكانت الآطام هي عزّهم ومنعتهم وحصونهم التي يتحرّزون فيها من عدوّهم . ويزعمون أنّه لما بناه أشرف هو وغلام له ، ثم قال : لقد بنيت حصنا حصينا ما بنى مثله رجل من العرب أمنع ولا أكرم ، ولقد عرفت موضع حجر منه لو نزع لوقع جميعا ! فقال غلامه : أنا أعرفه . فقال : فأرنيه يا بنيّ . قال : هو هذا . وصرف إليه رأسه ، فلما رأى أحيحة أنّه قد عرفه دفعه من رأس الأطم فوقع على رأسه فمات ، وإنّما قتله إرادة ألَّا يعرف ذلك الحجر أحد . ولمّا بناه قال :
بنيت بعد مستظلّ ضاحيا بنيته بعصبة [ 1 ] من ماليا والسرّ مما يتبع القواصيا [ 2 ] أخشى ركيبا أو رجيلا عاديا [ 3 ]
وكان أحيحة إذا أمسى جلس بحذاء حصنه الضّحيان ، ثم أرسل كلابا له تنبح دونه على من يأتيه ممّن لا يعرف ، حذرا أن يأتيه عدوّ يصيب منه غرّة ؛ فأقبل عاصم بن عمرو يريده في مجلسه ذلك ليقتله بأخيه ، وقد أخذ معه تمرا ، فلما نجته / الكلاب حين دنا منه ألقى لها التمرّ فوقفت ، فلمّا رآها أحيحة قد سكنت حذر فقام فدخل حصنه ، ورماه عاصم بسهم فأحرزه منه الباب [ 4 ] ، فوقع السّهم بالباب ، فلما سمع أحيحة وقع السّهم صرخ في قومه ، فخرج عاصم بن عمرو ، فأعجزهم حتّى أتى قومه . ثمّ إنّ أحيحة جمع لبني النجّار ، فأراد أن يغترّهم فواعدهم وقومه لذلك [ 5 ] ، وكانت عند أحيحة سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش إحدى نساء بني عديّ بن النجار ، له منها عمرو بن أحيحة ، وهي أمّ عبد المطلب بن هاشم ، خلف عليها هاشم بعد أحيحة ، وكانت امرأة شريفة لا تنكح الرجال إلَّا وأمرها بيدها ، إذا كرهت من رجل شيئا تركته . فزعم ابن إسحاق أنّه حدّثه أيوب بن عبد الرحمن [ 6 ] ، وهو أحد رهطها ، قال : حدّثني شيخ منّا أنّ أحيحة لمّا أجمع بالغارة على قومها ومعها ابنها عمرو بن أحيحة ، وهو يومئذ فطيم أو دون الفطيم ، وهو مع أحيحة في حصنه عمدت إلى ابنها فربطته بخيط ، حتّى إذا أوجعت الصبيّ تركته فبات يبكي ، وهي تحمله ؛ وبات أحيحة معها ساهرا ، يقول : ويحك ما لابني ؟ فتقول : واللَّه ما أدري ماله . حتّى إذا ذهب اللَّيل أطلقت الخيط عن الصبيّ فنام . وذكروا أنّها ربطت رأس ذكره ، فلما هدأ الصبيّ قالت : وا رأساه ! فقال : أحيحة : هذا واللَّه ما لقيت من سهر هذه الليلة . فبات يعصب لها رأسها ويقول : ليس بك بأس . حتّى إذا لم يبق من الليل إلا أقلَّه قالت له : قم فنم ، فإنّي أجدني [ 7 ] صالحة قد ذهب عنّي ما كنت / أجده . وإنما فعلت به ذلك ليثقل رأسه ، وليشتدّ نومه على طول السّهر . فلما نام قامت وأخذت حبلا شديدا وأوثقته برأس الحصن ، ثم تدلَّت منه وانطلقت إلى قومها ، فأنذرتهم وأخبرتهم بالذي أجمع هو وقومه من ذلك ، فحذر القوم وأعدّوا واجتمعوا . فأقبل أحيحة في قومه فوجد القوم على حذر قد
هامش
[ 1 ] ط ، مب ، مط : « بقودة » . [ 2 ] ما عدا ط ، ح ، مب ، مط : « للستر مما يتبع القواصيا » . [ 3 ] الركيب : مصغر ركب ، وهم الجماعة الراكبون . والرجيل : مصغر الرجل ، بالفتح ، وهم الجماعة الراجلون . [ 4 ] هذا الصواب من ح ، ط ، مب ، مط . وفي سائر النسخ : « فأحرز منه الباب » . [ 5 ] فيما عدا ط ، ح ، مب ، مط : « فواعده قومه لذلك » . [ 6 ] ما عدا ط ، ح ، مب ، مط : « أن جدّه أيوب بن عبد الرحمن » ، تحريف . [ 7 ] ما عدا ط ، ح ، مب ، مط : « أجد في صالحة » محرّف .