تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأغاني — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
وجعلت نفقا آخر في البرّيّة متّصلا بمدينة لأختها ، ثم أجرت الماء عليه ، فكانت إذا خافت عدوّا دخلت النفق . فلما اجتمع لها أمرها واستحكم ملكها أجمعت على غزو جذيمة ثائرة بأبيها ، فقالت لها أختها وكانت ذات رأي وحزم : إنّك إن غزوت جذيمة فإنّه امرؤ له ما يصدّه ، فإن ظفرت أصبت ثأرك ، وإن ظفر بك فلا بقيّة لك ، والحرب سجال ، / ولا تدرين كيف تكون [ 1 ] ألك أم عليك ، ولكن ابعثي إليك فأعلميه أنّك قد رغبت في أن تتزوّجيه وتجمعي ملكك إلى ملكه ، وسليه أن يجيبك إلى ذلك ، لأنّه إن اغتر ففعل ظفرت به بلا مخاطرة . فكتبت الزباء في ذلك إلى جذيمة تقول له : إنها قد رغبت في صلة بلدها ببلده ، وإنّها في ضعف من سلطانها ، وقلَّة ضبط لمملكتها ، وإنها لم تجد كفئا غيره ، وتسأله الإقبال عليها وجمع ملكها إلى ملكه . فلما / وصل ذلك إليه استخفّه وطمع فيه ، فشاور أصحابه فكلّ صوّب رأيه في قصدها وإجابتها ، إلَّا قصير بن سعد بن عمرو بن جذيمة بن قيس بن هلال [ 2 ] بن نمارة بن لخم ، فقال : هذا رأي فاتر ، وغدر حاضر ، فإن كانت صادقة فلتقبل إليك وإلَّا فلا تمكنها من نفسك فتقع في حبالها وقد وترتها في أبيها . فلم يوافق جذيمة ما قال وقال له : « أنت أمرؤ رأيك في الكنّ لا في الضّحّ » [ 3 ] . ورحل فقال له قصير في طريقة : « انصرف ودمك في وجهك . فقال جذيمة : » ببقّة قضي الأمر « فأرسلها مثلا . ومضى حتّى إذا شارف مدينتها قال لقصير : ما الرأي ؟ قال : » ببقّة تركت الرأي « . قال : فما ظنّك بالزباء ؟ قال : » القول رداف ، والحزم عيرانة لا تخاف « [ 4 ] . واستقبله رسلها بالهدايا والألطاف فقال : يا قصير ، كيف ترى ؟ قال » خطر يسير في خطب كبير « [ 5 ] ، وستلقاك الخيول ، فإن سارت أمامك فالمرأة صادقة ، وإن أخذت في جنبيك وأحاطت بك فالقوم غادرون . فلقيته الخيول فأحاطت به ، فقال له قصير : اركب العصا فإنّها لا تدرك ولا تسبق - يعني فرسا له كانت تجنب - قبل أن يحولوا بينك وبين جنودك . فلم يفعل ، فجال قصير في ظهرها فمرّت به تعدو في أوّل أصحاب جذيمة . ولما أحيط بجذيمة التفت فرأى قصيرا على فرسه العصا في أوّل القوم ، فقال : » لحازم من يجري العصا [ 6 ] في أوّل القوم « . فذكر / أبو عبيدة والأصمعي أنها لم تكن تقف ، حتّى جرت ثلاثين ميلا ، ثم وقفت فبالت هناك ، فبني على ذلك الموضع برج يسمّى العصا - وأخذ جذيمة فأدخل على الزباء فاستقبلته قد كشفت عن فرجها ، فإذا هي قد ضفرت الشعر عليه ، فقالت : يا جذيم أذات عروس ترى ؟ قال : بل أرى متاع أمة لكعاء غير ذات خفر . ثم قال : « بلغ المدى ، وجفّ الثّرى ، وأمر غدر أرى . قالت : واللَّه ما ذلك من عدم مواس [ 7 ] ، ولا قلة أواس [ 8 ] ، ولكنّها شيمة ما أناس [ 9 ] . ثم قالت لجواريها : خذن بعضد سيّدكنّ . ففعلن ثم دعت بنطع فأجلسته عليه ، وأمرت برواهشه [ 10 ]
هامش
[ 1 ] في الأصول ما عدا ها ، مب : « تكونين » تحريف . [ 2 ] عند ابن حبيب : « بن هليل بن دمى بن نمارة » . [ 3 ] الكن : ما يرد الحر والبرد من الأبنية والمساكن . والضح : كل ما أصابته الشمس . [ 4 ] الرداف : جمع ردف ، وهو الذي يركب خلف الراكب . والعيرانة : الناقة السريعة في نشاط . أراد أن الحزم يمضي في شأنه في ثقة ولا يعبأ بالقول ، بل ربما حطمه . وكلمة « لا » ساقطة من ب ، س و « الميداني » ، إذ فيها : « عثراته تخاف » ، وفي ح : « عيران لا يخاف » ، وفي م ، أ : « عراف لا يخاف » . [ 5 ] في « الميداني » : « خطب يسير في خطب كبير » . [ 6 ] في ب ، س : « الحازم » . ها ، مب : « لحازم ما تجري » وفي سائر الأصول : « ما يجري » . وفي « مروج الذهب » : ( 2 : 94 ) : « ما ضل من تجري به العصا » . وفي « الميداني » : « ويل أمه حزما على متن العصا » . [ 7 ] المواسي : جمع موسى التي يحلق الشعر بها . [ 8 ] الأواسي : جمع آسة ، وهي كناية عن الخاتن في لغة أهل البادية . [ 9 ] هذا ما في ح و « مروج الذهب » . و « ما » فيه زائدة . وفي سائر الأصول : « من أناس » . [ 10 ] الرواهش : عروق في باطن الذراع .