تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأغاني — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
فقطعت في طست من ذهب يسيل دمه فيه ، وقالت له : يا جذيم لا يضيعنّ من دمك شيء فإنّي أريده للخبل [ 1 ] . فقال لها : وما يحزنك من دم أضاعه أهله . وإنما كان بعض الكهّان قال لها : إن نقط من دمه شيء في غير الطست أدرك بثأره . فلم يزل دمه يجري في الطَّست حتّى ضعف ، فتحرّك فنقطت من دمه نقطة على أسطوانة رخام ومات . قال : والعرب تتحدّث في أنّ دماء الملوك شفاء من الخبل . قال المتلمس [ 2 ] :
من الدارميّين الذين دماؤهم شفاء من الداء المجنّة والخبل [ 3 ]
/ قال : وجمعت دمه في برنيّة وجعلته في خزانتها ، ومضى قصير إلى عمرو بن عبد الحرّ [ 4 ] التّنوخي فقال له : اطلب بدم ابن عمك وإلَّا سبّتك به العرب . فلم يحفل بذلك فخرج قصير إلى / عمرو بن عديّ ابن أخت جذيمة فقال : هل لك في أن أصرف الجنود إليك على أن تطلب بثأر خالك ؟ فجعل ذلك له ، فأتى القادة والأعلام فقال لهم : أنتم القادة والرؤساء ، وعندنا الأموال والكنوز . فانصرف إليه منهم بشر كثير ، فالتقى بعمرو التنوخي فلما صافّوا القتال [ 5 ] تابعه التوخي ومالك بن عمرو بن عديّ ، فقال له قصير : انظر ما وعدتني في الزباء . فقال : وكيف وهي أمنع من عقاب الجوّ ؟ فقال : أمّا إذ أبيت فإني جادع أنفى وأذني ، ومحتال لقتلها ، فأعنّي وخلاك ذمّ . فقال له عمرو : وأنت أبصر . فجدع قصير أنفه ثم انطلق حتّى دخل على الزباء فقالت : من أنت ؟ قال : أنا قصير ، لا وربّ البشر ما كان على ظهر الأرض أحد أنصح لخدمته منّي ولا أغشّ لك حتّى جدع عمرو بن عديّ أنفى وأذني ، فعرفت أنّي لن أكون مع أحد أثقل عليه منك . فقالت : أي قصير نقبل ذلك منك ، ونصرّ لك في بضاعتنا . وأعطته مالا للتجارة ، فأتى بيت مال الحيرة فأخذ منه بأمر عديّ ما ظنّ أنه يرضيها ، وانصرف إليها به ، فلما رأت ما جاء به فرحت وزادته ، ولم يزل حتّى أنست به فقال لها : إنه ليس من ملك ولا ملكة إلَّا وقد ينبغي له أن يتّخذ نفقا يهرب إليه عند حدوث حادثة يخافها . فقالت : أما أنّي قد فعلت واتّخذت نفقا تحت سريري هذا ، يخرج إلى نفق تحت سرير أختي . وأرته إياه ، فأظهر لها سرورا بذلك ، وخرج في تجارته كما كان يفعل ، وعرف عمرو بن عديّ ما فعله ، فركب عمرو في ألفي دارع على ألف بعير / في الجوالق حتى إذا صاروا إليها تقدّم قصير يسبق الإبل ودخل على الزباء فقال لها : اصعدي في حائط مدينتك فانظري إلى مالك ، وتقدّمي إلى بوّابك فلا يعرض لشيء من أعكامنا [ 6 ] ، فإنّي قد جئت بمال صامت . وقد كانت أمنته فلم تكن تتّهمه ولا تخافه ، فصعدت كما أمرها فلما نظرت إلى ثقل مشي الجمال قالت - وقيل إنه مصنوع منسوب إليها - :
ما للجمال مشيها وئيدا أجندلا يحملن أم حديدا
هامش
[ 1 ] الخبل ، بفتح الخاء وضمها ، وبالتحريك أيضا : الجنون أو شبهه . [ 2 ] في « الحيوان » ( 2 : 6 ) و « عيون الأخبار » ( 2 : 79 ) أنه الفرزدق ، ولم أجد البيت في أحد « الديوانين » . ونسب في « مروج الذهب » إلى البعيث . وفي ها : « قال البعيث » : وأشير في حاشيتها إلى أنه في نسخة أخرى « المتلمس » . [ 3 ] المجنة : الجنون . وفي معظم الأصول : « المحبة » صوابه من ها ومن « الحيوان » و « عيون الأخبار » ، و « اللسان » ( جنن ) و « مقاييس اللغة » ( كلب ) . [ 4 ] كذا في « الأصول » . وفي « الميداني » و « مروج الذهب » : « عبد الجن » . [ 5 ] مب : « خافوا القتال » . وفي « مروج الذهب » : « خافوا الفناه » . [ 6 ] الأعكام : جمع عكم ، بالكسر ، وهو العدل ما دام فيه المتاع .
الأغاني — صفحة 212 | أبي الفرج الأصفهاني