عليا [ 1 ] فقال له علي : إنّما تكلَّمت بلسان غيرك ، ولو كنت في غير هذا المجلس لسمعت أكثر مما قلت ! فغضب المأمون وأنكر على محمد ما قاله وما كان منه من سوء الأدب بحضرته ، ونهض عن فرشه ونهض الجلساء فخرجوا ، وأراد محمد الانصراف فمنعه علي بن صالح صاحب المصلَّى ، وهو إذ ذاك يحجب المأمون ، وقال : أفعلت ما فعلت بحضرة أمير المؤمنين ونهض على الحال [ 2 ] التي رأيت ، ثم تنصرف بغير إذن ، اجلس حتى نعرف رأيه فيك . وأمر بأن يجلس .
غضب المأمون على محمد الصولي
قال : ومكث المأمون ساعة فجلس على سريره ، وأمر بالجلساء فردّوا إليه ، فدخل إليه عليّ بن صالح فعرّفه ما كان من قول علي بن محمد في الانصراف ، وما كان من منعه إياه ، فقال : دعه ينصرف إلى لعنة اللَّه . فانصرف ، وقال المأمون لجلسائه : أتدرون لم دخلت إلى النساء في هذا الوقت ؟ قالوا : لا . قال : إنّه لمّا كان من أمر هذا الجاهل ما كان لم آمن فلتات الغضب ، وله بنا حرمة ، فدخلت إلى النساء فعابثتهنّ [ 3 ] حتّى سكن غضبي .
احتيال أحمد الأحوال لتولية طاهر خراسان
قال : وما مضى محمد عن وجهه إلَّا إلى طاهر ، فسأله الركوب إلى المأمون ، وأن يستوهبه جرمه ، فقال طاهر : ليس هذا من أوقاتي ، وقد كتب إليّ خليفتي / في الدار أنّه قد دعا بالجلساء . فقال : أكره أن أبيت ليلة وأمير المؤمنين عليّ ساخط . فلم يزل به حتّى ركب طاهر معه ، فأذن له فدخل ومجير الخادم واقف على رأس المأمون ، فلما بصر المأمون بطاهر أخذ منديلا فمسح به عينيه مرّتين أو ثلاثا ، إلى أن وصل إليه وحرّك شفتيه بشيء أنكره طاهر ، ثم دنا فسلَّم ، فردّ السلام وأمره بالجلوس [ 4 ] فجلس في موضعه ، فسأله عن مجيئه في غير وقته ، فعرّفه الخبر واستوهبه ذنب محمد ، فوهبه له وانصرف ؛ وعرّف محمدا ذلك . ثم دعا بهارون بن خنعويه ، وكان شيخا خراسانيّا / داهية ثقة عنده ، فذكر له فعل المأمون وقال له : الق كاتب مجير والطف له ، واضمن له عشرة آلاف درهم على تعريفك ما قاله المأمون ففعل ذلك ولطف له ، فعرّفه أنّه لما رأى طاهرا دمعت عيناه وترحّم على محمد الأمين ، ومسح دمعه بالمنديل ، فلما عرف ذلك طاهر ركب من وقته إلى أحمد بن أبي خالد الأحوال - وكان طاهر لا يركب إلى أحد من أصحاب المأمون ، وكلَّهم يركب إليه - فقال له : جئتك لتولَّيني خراسان وتحتال لي فيها . وكان أحمد يتولَّى فضّ الخرائط بين يدي المأمون ، وغسّان بن عبّاد يتولَّى إذ ذاك خراسان ، فقال له أحمد : هلَّا أقمت بمنزلك وبعثت إليّ حتى أصير إليك ولا يشهر الخبر فيما تريده بما ليس من عادتك ، لأنّ المأمون يعلم أنّك لا تركب إلى أحد من أصحابه ، وسيبلغه هذا فينكره ، فانصرف وأغض [ 5 ] عن هذا الأمر وأمهلني مدّة حتّى أحتال لك . ولبث مدّة ، وزوّر ابن أبي خالد كتابا عن غسّان بن عباد إلى المأمون ، يذكر فيه أنّه عليل وأنه لا يأمن على نفسه ، ويسأل أن يستخلف غيره على خراسان ، وجعله في خريطة وفضّها بين يدي المأمون ، / في خرائط وردت عليه ، فلما قرأ
هامش
[ 1 ] ثبط ، كذا وردت في « الأصول » . ولعل معناها شبهه بالنبط ونسبه إليهم .
[ 2 ] إلى هنا ينتهي سقط أالذي نبهت على مبدئه في ص 228 .
[ 3 ] كذا في ط . وفي ح : « فعاتبهن » وأ ، ها ، مط ، مب « فعاتبتهن » وسائر النسخ : « فعانقتهن » والأخيرة صحيحة كالأولى .
[ 4 ] بعده سقط في ط ينتهي إلى : « فغناه واحتفل فقال » في ص 236 .
[ 5 ] س ، ب : « وغض » .