حتّى ترفّع بالحزّان يركضها
مثل المهاة مرته الريح فاضطربا [ 1 ]
والغانيات يقتّلن الرجال إذا
ضرّجن بالزعفران الرّيط والنّقبا [ 2 ]
من كلّ آنسة لم يغذها عدم
ولا تشدّ لشيء صوتها صخبا [ 3 ]
إنّ الغواني قد أهلكنني وأرى
حبالهنّ ضعيفات القوى كذبا [ 4 ]
غنّى في هذا الشعر ابن سريج خفيف ثقيل من رواية حماد ، وفيه رمل نسبه حبش إليه أيضا .
قصة نسبة هذا الشعر لسهل الغنوي
وقال الأصمعيّ : هذا الشعر لسهل بن الحنظلية الغنوي ثم الضّبيني ثم الجابري ، وهو جابر بن ضبينة .
/ قال أبو الفرج الأصبهاني : وسهل بن الحنظلية أحد أصحاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وقد روى عنه حديثا كثيرا .
فذكر الأصمعيّ أنّ السبب في قوله هذا الشعر أنّه اجتمع ناس من العرب بعكاظ ، منهم قرّة بن هبيرة القشيري ، في سنين تتابعت على الناس ، فتواعدوا وتواقفوا أن لا يتغاوروا حتّى يخصب الناس [ 5 ] ثم قالوا : ابعثوا إلى المنتشر بن وهب الباهلي ثم الوائلي فليشهد أمرنا ، ولندخله معنا . فأتاهم فأعلموه ما صنعوه ، قال : فما يأكل قومي إلى ذاك ؟ فقال له ابن جارم الضبيّ [ 6 ] : إنّك لهناك يا أخا باهلة ؟ قال : أمّا أنا فالغسل والنساء عليّ حرام حتّى آكل من قمع إبلك [ 7 ] . فتفرقوا ولم يكن إلَّا ذلك . وقال ابن جارم للمنتشر عند قوله : استك أضيق من ذاك ! فأغار المنتشر على ابن جارم ، فلما رآه ابن جارم رمى بنفسه في وجار ضبع ، وأطرد المنتشر إبله ورعاءها ، فقال سهل في ذلك :
هاج لك الشّوق من ريحانة الطربا
في قصيدة طويلة له حسنة . وقال في ذلك أعشى باهلة :
فدى لك نفسي إذ تركت ابن جارم
أجبّ السّنام بعد ما كان مصعبا [ 8 ]
وقال المخبل في ذلك :
إنّ قشيرا من لقاح ابن جارم
كغاسلة حيضا وليست بطاهر
وأنبأتماني أنّ قرّة آمن
فناك أباه من مجير وخافر [ 9 ]
هامش
[ 1 ] الضمير في « ترفع » للراحلة ، والراحلة تكون للذكر والأنثى ، ترفع : ارتفع في سيره . والحزان بضم الحاء وكسرها : جمع حزيز ، وهو ما غلظ من الأرض . المهاة : البقرة الوحشية .
[ 2 ] الريط : جمع ريطة : وهي الملاءة غير ذات لفقين . وفي « الأصول : » النيط « . والنقب : جمع نقبة ، وهي ثوب كالإزار تجعل له حجزة مطيفة من غير نيفق » .
[ 3 ] ما عدا ط ، أ ، مط ، مب : « ولا تسدد بشيء صوتها صحبا » .
[ 4 ] ما عدا ط ، مط ، مب : « قد أهلكنني تعبا وخلتهن » .
[ 5 ] تواقفوا : وقفوا جميعا . والتغاور : تبادل الغارات .
[ 6 ] ابن جارم الضبي بالجيم والراء المهملة . وفيما عدا ط ، أ ، ها ، مب : « حازم » في كل موضع من هذا الخبر .
[ 7 ] القمع ، بالتحريك : جمع قمعة ، وهي أعلى السنام .
[ 8 ] الأجب : المقطوع السنام ، أو الذي أكله الرجل فلم يكبر . والمصعب : الفحل المكرم .
[ 9 ] ح : « قتال » س : « قتالا » .