/ أراد به يسقيانه [ 1 ] .
قصته مع صديق له يدعى داود
أخبرني عمي قال حدّثنا ابن مهرويه قال وحدّثني عبد اللَّه بن محمّد بن يسير قال :
كان لأبي صديق يقال له داود من أسمج الناس وجها وأقلَّهم أدبا ، إلا أنه كان وافر المتاع ، فكان القيان يواصلنه ويكثرن عنده ، ويهدين إليه الفواكه والنبيذ والطيب ، فيدعو بأبي فيعاشره . فهويته قينة من قيان البصرة ، كانت من أحسن الناس وجها ، فبعثت إلى داود برقعة طويلة جدّا تعاتبه فيها وتستجفيه وتستزيره [ 2 ] . فسأل أبي أن يجيبها عنه ، فقال أبي : اكتب يا بنيّ قبل أن أجيب عنها :
وابلائي من طول هذا الكتاب
أسعدوني عليه يا أصحابي
أسعدوني على قراة كتاب
طوله مثل طول يوم الحساب [ 3 ]
/ إنّ فيه منّي البلاء ملقّى
ولغيري فيه الهوى والتّصابي
وله الودّ والهوى ، وعلينا
فيه للكاتبين ردّ الجواب
ثم ممن يا سيّدي ؟ وإلى من ؟
من هضيم الحشا لعوب كعاب [ 4 ]
وإلى من إن قلت فيه بعيب
لم أحط في مقالتي بالصواب [ 5 ]
لا يساوي على التأمّل والتف
تيش يوما في الناس كفّ تراب
شعره في رثاء داود
فقال عبد اللَّه : وكان أبي إذا انصرف من مجلس فيه داود هذا أخذه معه ، فيمشي قدّامه ، فإن كان في الطريق طين أو بئر أو أذى لقي داود شرّه وحذره أبي . فمات داود . وانصرف أبي ذات ليلة وهو سكران ، فعثر بدكَّان [ 6 ] وتلوّث بطين ودخل في رجله عظم ولقي عنتا ، فقال يرثي داود :
أقول والأرض قد غشّى وجلَّلها
ثوب الدّجى فهو فوق الأرض ممدود [ 7 ]
وسدّ كلّ فروج الجوّ منطبقا
وكلّ فرج به في الجوّ مسدود
وفي الوداع وفي الإبداء لي عنت
دون المسير وباب الدار مسدود [ 8 ]
من لي بداود في ذي الحال يرشدني ؟
من لي بداود ؟ لهفي ! أين داود ؟
هامش
[ 1 ] أي فلا زال الهزل والجد يسقيانه أمثال هذه السحابة في كل مجلس به فتية .
[ 2 ] في الأصول « فبعث إلى داود برقعة طويلة جدا يعاتبه فيها ويستجفيه ويستزيده » وكله تحريف . وتستجفيه : تنسبه إلى الجفاء وتعدّ جافيا . وتستزيره : تسأله أن يزورها .
[ 3 ] قراة ، مسهّل عن قراءة .
[ 4 ] امرأة هضيم : لطيفة الكشحين ضامرة البطن . ولعوب : حسنة الدل . وكعاب : كعب ثديها ، أي نهد .
[ 5 ] في الأصول : « بعيث » « لم أخط » وهو تصحيف وفي ب ، س « من مقالتي » .
[ 6 ] الدكان : بناء يسطح أعلاه للقعود - المصطبة .
[ 7 ] غشاها : غطاها . وجلل المطر الأرض : عمها وطبقها فلم يدع شيئا إلا غطاه .
[ 8 ] الإبداء : الابتداء ، بدأ الشيء وأبدأه : فعله ابتداء .