هنيئا مريئا أنت بالفحش أبصر
وكان ابن قنبر مستعليا عليه مدّة ، ثم غلبه مسلم بعد ذلك ، فمن مناقضتهما قول ابن قنبر :
ومن عجب الأشياء أنّ لمسلم
إليّ نزاعا في الهجاء وما يدري [ 1 ]
واللَّه ما قيست عليّ جدوده
لدي مفخر في الناس قوسا ولا شعري [ 2 ]
ولابن قنبر قوله :
كيف أهجوك يا لئيم بشعري
أنت عندي فاعلم هجاء هجائي
يا دعيّ الأنصار بل عبدها النذ
ل تعرّضت لي لدرك الشقاء
أنشد المأمون بيتين له وأمر ابن محرز بتلحينها .
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال : حدّثنا عبد اللَّه بن أبي سعد قال : حدّثني أبو توبة ، عن محمّد بن جبير [ 3 ] عن الحسين بن محرز المغنّي المديني قال : دخلت يوما على المأمون في يوم نوبتي وهو ينشد :
صوت
فما أقصر اسم الحبّ يا ويح ذي الحبّ
وأعظم بلواه على العاشق الصبّ
يمرّ به لفظ اللَّسان مشمّرا
ويغرق من ساقاه في لجج الكرب
فلما بصر بي قال : تعال يا حسين ، فجئت ، فأنشدني البيتين ، ثم أعادهما عليّ حتى حفظتهما ، ثم قال : اصنع فيهما لحنا ، فإن أجدت سررتك ، فخلوت وصنعت فيهما لحني المشهور ، وعدت فغنيّته إيّاه ، فقال : أحسنت ، وشرب عليه بقيّة يومه ، وأمر لي بألف دينار ، والشعر لحكم بن قنبر .
شعره في النسيب
أخبرني محمّد بن الأزهر قال : حدّثني حماد بن إسحاق ، عن أبيه ، عن محمّد بن سلَّام قال : أنشدني ابن قنبر لنفسه :
ويلي على من أطار النوم وامتنعا
وزاد قلبي على أوجاعه وجعا
ظبي أغرّ ترى في وجهه سرجا
تعشي العيون إذا ما نوره سطعا [ 4 ]
كأنما الشمس في أثوابه بزغت
حسنا ، أو البدر في أردانه طلعا [ 5 ]
فقد نسيت الكرى من طول ما عطلت
منه الجفون وطارت مهجتي قطعا
هامش
[ 1 ] نزع إليه نزاعا : اشتاق ، كنازع .
[ 2 ] عليّ : على جدودي وأصولي . قوسا : مقدار قوس .
[ 3 ] في الأصول : « حبر » بالحاء المهملة ؛ والتصويب عن « الأغاني » ج 13 : 277 سطر 14 .
[ 4 ] سرجا : جمع سراج . تعشى العيون : أعشاه فعشى ( كفرح ) عشا ، والعشا سوء البصر ، وفي الأصول « يغشي » .
[ 5 ] أردان : جمع ردن بالضم ، وهو أصل الكم .