تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأغاني — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
له : كيف ترى هذا ؟ فقال : هذا واللَّه العيش وشبه الجّنة . قال : أنت الشريك فيه على شريطة إن وفيت بها وإلا انصرفت . قال : وما هي ؟ قال : تشتم الملائكة وتنزل . فنفر التاجر وقال : قبح اللَّه عشرتكم قد فضحتموني وهتكتموني . ومضى فلم يبعد حتى لقيه حمّاد عجرد فقال له : ما لي أراك نافرا جزعا ؟ فحدثه حديثه . فقال : أساء مطيع - قبحه اللَّه - وأخطأ ، وعندي واللَّه ضعف ما وصف لك ؛ فهل لك فيه ؟ فقال : أجل [ 1 ] ، بي واللَّه إليه أعظم فاقة . قال : أنت الشريك فيه على أن تشتم الأنبياء فإنّهم تعبّدونا بكل أمر معنت متعب ، ولا ذنب للملائكة فنشتمهم . فنفر التاجر وقال : أنت أيضا فقبحك اللَّه ، لا أدخل ! ومضى فاجتاز بيحيى بن زياد الحارثيّ فقال له : ما لي أراك يا أبا فلان مرتاعا ؟ فحدثه بقصّته . فقال : قبحهما اللَّه لقد كلَّفاك شططا ، وأنت تعلم أن مروءتي فوق مروءتهما ، وعندي واللَّه أضعاف ما عندهما ، وأنت الشّريك فيه على خصلة تنفعك ولا تضرّك ، وهي خلاف ما كلفاك إيّاه من الكفر . قال : ما هي ؟ قال : تصلي ركعتين تطيل ركوعهما وسجودهما ، وتصليهما وتجلس ، فنأخذ في شأننا ، فضجر التاجر وتأفّف وقال : هذا شرّ من ذاك ، أنا تعب ميّت ، تكلَّفني صلاة طويلة في غير برّ / ولا لإطاعة يكون ثمنها أكل سحت [ 2 ] وشرب خمر وعشرة فجرة وسماع مغنيات قحاب . وسبّه وسبّهما ومضى مغضبا . فبعث خلفه غلاما وأمره بردّه ، فردّه كرها ، وقال : انزل الآن على ألا تصلَّي اليوم بتة . فشتمه أيضا وقال : ولا هذا . فقال : انزل الآن كيف شئت وأنت ثقيل غير مساعد . فنزل عنده . ودعا يحيى مطيعا وحمادا ، فعبثا بالتاجر ساعة وشتماه ، ثم قدّم الطعام ، فأكلوا وشربوا وصلَّى التاجر الظهر والعصر ، فلما دبّت الكأس فيه قال له مطيع : أيّما أحب إليك : تشتم الملائكة أو تنصرف ؟ فشتمهم . فقال له حماد : أيما أحب إليك : تشتم الأنبياء أو تنصرف ؟ فشتمهم . فقال له يحيى : أيما أحب إليك : تصلي ركعتين أو تنصرف ؟ فقام فصلَّى الركعتين ، ثم جلس فقالوا له : أيما أحب إليك : تترك باقي صلاتك اليوم أو تنصرف ؟ قال : بل أتركها با بني الزانية ولا أنصرف . فعمل كلّ ما أرادوه منه . رأي المهدي في أخلاق مطيع أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن محمّد بن الفضل السّكوني قال : رفع صاحب الخبر إلى المنصور أنّ مطيع بن إياس زنديق ، وأنه يعاشر ابنه جعفرا وجماعة من أهل بيته ، ويوشك أن يفسدوا أديانهم وينسبوا إلى مذهبه . فقال له المهدي : أنا به عارف ، أمّا الزندقة فليس من أهلها ، ولكنه خبيث الدين فاسق مستحلّ للمحارم . قال : فأحضره وانهه عن صحبة جعفر وسائر أهله . فأحضره المهدي وقال له : يا خبيث يا فاسق ، قد أفسدت أخي ومن تصحبه من أهلي ، واللَّه لقد بلغني أنهم يتقادعون [ 3 ] عليك ، ولا يتمّ لهم سرور إلا بك ، فقد / غرّرتهم وشهّرتهم في الناس ، ولولا أني شهدت لك عند أمير المؤمنين بالبراءة مما نسبت إليه بالزندقة ، لقد كان أمر بضرب عنقك . وقال للربيع : اضربه مائتي / سوط واحبسه . قال : ولم يا سيدي ؟ قال : لأنك سكَّير خمّير [ 4 ] قد أفسدت أهلي كلَّهم بصحبتك . فقال له : إن أذنت وسمعت احتججت . قال : قل . قال : أنا امرؤ شاعر ، وسوقي إنما تنفق مع الملوك ، وقد كسدت عندكم ، وأنا في أيامكم مطَّرح ، وقد رضيت فيها مع سعتها للناس جميعا بالأكل على مائدة أخيك ، لا يتبع ذلك عشيرة ، وأصفيته على ذلك شكري وشعري ، فإن كان ذلك عائبا عندك تبت منه . فأطرق ، ثم قال : قد رفع إليّ صاحب الخبر أنك تتماجن على السّؤّال وتضحك منهم . قال : لا ، واللَّه ما ذلك من فعلي ولا شأني ، ولا جرى مني قط إلا مرة ؛ فإنّ سائلا أعمى اعترضني - وقد عبرت الجسر على بغلتي -
هامش
[ 1 ] في الأصول : « أشد » . [ 2 ] السحت : ما خبث من المكاسب وحرم فلزم عنه العار . [ 3 ] التقادع : التهافت . وفي الأصول : « يتقارعون » تحريف . [ 4 ] الخمير : الدائم الشرب للخمر .
الأغاني — صفحة 212 | أبي الفرج الأصفهاني