فكشفتها وألقيت ما عليها من قذّى وسواد ورماد ، ثم قلبت [ منها [ 1 ] ] مثل الملاءة البيضاء ، فألقيت عليها من رطب تلك النخلة المجزّعة [ 2 ] والمنصّفة ، فسمعت لها أطيطا [ 3 ] كتداعي عامر وغطفان ، ثم أقبلت أتناول الشّحمة واللحمة فأضعها بين التمرتين وأهوي إلى فمي ، فبما أحلف إنّي [ 4 ] ما أكلت طعاما مثله قطَّ . فقال له عبد الملك : لقد أكلت طعاما طيّبا ، فمن أنت ؟ قال : أنا رجل جانبتني عنعتة [ 5 ] تميم وأسد وكشكشة [ 6 ] ربيعة وحوشيّ [ 7 ] أهل اليمن وإن كنت منهم . فقال : من أيّهم أنت ؟ قال : من أخوالك من عذرة . قال : أولئك فصحاء الناس ؛ فهل لك علم بالشعر ؟
قال : سلني عمّا بدالك يا أمير المؤمنين . قال : أيّ بيت قالته العرب أمدح ؟ قال : قول جرير :
ألستم خير من ركب المطايا
وأندى العالمين بطون راح
/ قال : وكان جرير في القوم ، فرفع رأسه وتطاول لها . ثم قال : فأيّ بيت قالته العرب أفخر ؟ قال : قول جرير :
إذا غضبت عليك بنو تميم
حسبت الناس كلَّهم غضابا
/ قال : فتحرّك [ لها [ 8 ] جرير ] . ثم قال له : فأيّ بيت أهجى ؟ قال : قول جرير :
فغضّ الطَّرف إنك من نمير
فلا كعبا بلغت ولا كلابا
قال : فاستشرف لها جرير . قال : فأيّ بيت أغزل ؟ قال : قول جرير :
إن العيون التي في طرفها مرض
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
قال : فاهتزّ جرير وطرب . ثم قال له : فأيّ بيت قالته العرب أحسن تشبيها ؟ قال : قول جرير :
سرى نحوهم ليل كأنّ نجومه
قناديل فيهنّ الذّبالى [ 9 ] المفتّل
فقال جرير : جائزتي للعذريّ يا أمير المؤمنين . فقال له عبد الملك : وله مثلها من بيت المال ، ولك جائزتك يا جرير لا تنتقص منها شيئا . وكانت جائزة جرير أربعة آلاف درهم وتوابعها من الحملان والكسوة . فخرج العذريّ وفي يده اليمنى ثمانية آلاف درهم وفي اليسرى رزمة ثياب .
هامش
[ 1 ] زيادة عن ج .
[ 2 ] جزع البسر : بلغ الإرطاب نصفه ، وقيل : بلغ الإرطاب من أسفله إلى نصفه وقيل : إلى ثلثيه وقيل : بلغ بعضه من غير أن يحدّ .
واختلف في المجزعة أهي بفتح الزاي أم بكسرها . ونصف البسر : أرطب نصفه .
[ 3 ] أطيط كل شيء : صوته . وعامر وغطفان : قبيلتان .
[ 4 ] في ب ، س : « فيما أحلف . . . إلخ » . وفي ج : « فما أحلف أكلت . . . إلخ » أي فأحلف ما أكلت . فوقع فعل القسم معترضا بين « ما » النافية ومنفيها .
[ 5 ] عنعنة تميم : إبدالهم العين من الهمزة فيقولون « عنّ » يريدون « أن » .
[ 6 ] كذا في ج . والكشكشة لغة ربيعة ، يجعلون الشين مكان الكاف وذلك في المؤنث خاصة فيقولون : عليش مكان عليك . وفي سائر الأصول : « كسكسة ربيعة » وهو تصحيف لأن الكسكسة لغة هوازن . ( انظر « اللسان » مادة كسس وكشش ) .
[ 7 ] الحوشيّ من الكلام : الغامض .
[ 8 ] زيادة يقتضيها سياق الكلام .
[ 9 ] الذبالة : الفتيلة التي توضع في القنديل يوضع فيه الزيت ليستضاء به .