بينهم وبينها ، وكتبت إلى أبي دهبل تعذله وتخبره بما بلغها من سوء صنيعه . فعند ذلك يقول :
تطاول هذا الليل ما يتبلَّج
وأعيت غواشي عبرتي ما تفرّج
وبتّ كئيبا ما أنام كأنما
خلال ضلوعي جمرة تتوهّج
فطورا أمنّي النفس من عمرة المنى
وطورا إذا ما لجّ بي الحزن أنشج
لقد قطع الواشون ما كان بيننا
ونحن إلى أن يوصل الحبل أحوج
رأوا غرّة فاستقبلوها بألبهم
فراحوا على ما لا نحبّ وأدلجوا
وكانوا أناسا كنت آمن غيهم
فلم ينههم حلم ولم يتحرّجوا
هم منعونا ما نحبّ وأوقدوا
علينا وشبّوا نار صرم تأجّج
ولو تركونا لا هدى اللَّه سعيهم
ولم يلحموا قولا من الشر ينسج
لأوشك صرف الدهر يفرق بيننا
وهل يستقيم الدّهر والدهر أعوج
عسى كربة أمسيت فيها مقيمة
يكون لنا منها نجاة ومخرج
فيكبت أعداء ويجذل آلف
له كبد من لوعة الحب تنضج
وقلت لعبّاد وجاء كتابها
لهذا وربّي كانت العين تخلج
وخطَّطت في ظهر الحصير كأنّني
أسير يخاف القتل ولهان ملفج
/ فلما التقينا لجلجت في حديثها
ومن آية الصّرم الحديث الملجلج
وإنّي لمحجوب عشيّة زرتها
وكنت إذا ما جئتها لا أعرّج
وأعيا عليّ القول والقول واسع
وفي القول مستنّ [ 1 ] كثير ومخرج
أبو السائب المخزوميّ وأبو جندب الهذلي تغنيهما جارية بشعر أبي دهبل
: أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الزبير بن بكَّار قال حدّثني خالد بن بكر الصوّاف قال :
أتيت ابن أبي العراقيب فسألته أن يدخلني على جارية مغنّية لم ير أحد مثلها قط ؛ فقال لي : إنّ في البيت واللَّه شيخين كريمين عليّ ، لا أدري ما يوافقهما من دخول أحد عليهما ، فلو أقمت حتى أطَّلع رأيهما في ذلك ، فدخل ثم خرج إليّ فقال : ادخل فدخلت ، فإذا أبو السائب المخزوميّ وأبو جندب الهذليّ ؛ وخرجت علينا الجارية قاطبة عابسة ؛ فلما وضع العود في حجرها اندفعت تغنّي وتقول :
عسى كربة أمسيت فيها مقيمة
يكون لنا منها نجاة ومخرج
وإنّي لمحجوب غداة أزورها
وكنت إذا ما زرتها لا أعرّج
هامش
[ 1 ] المستن : الطريق المسلوك .