ولا غرابة في ذلك...فقد خاطبت الملائكة مريم عليها السلام (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) وفاطمة سيدة نساء العالمين قاطبة أفضل من مريم، لأن مريم اصطفيت على نساء عالمها بينما فاطمة سيدة نساء العالمين جميعا. وخاطبت الملائكة سارة مبشرة لها باسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب وعندما تعجبت رفعوا عنها العجب بأن أمر الله لا تحده حدود طبيعية. وأن هذا هو من رحمة الله تعالى بأهل ذلك البيت!
وأخرى عن المعلم الثاني لفاطمة عليها السلام وهو نبينا محمد صلى الله عليه وآله. فقد كان يخصها كعليٍّ بالعلوم. وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين علي ٌّعليه السلام في حديثه عن قربه الى النبي صلى الله عليه وآله. حيث يشير عليه السلام إلى أن كان إذا دخل علي على النبي في بعض منازله أخلاه وأقام النساء حتى المقربات منهن كأم سلمة! ولكنه إذا جاء لعلي عليه السلام في منزله لم يخل المجلس من فاطمة ولا من الحسنين.
ولذلك فمن أعجب العجب بعد هذا أن نجد السيوطي[174] يقول إن مروياتها في كتب الأحاديث ثمانية عشر والمتفق عليه واحد!! وأعجب من هذا روايته في ذلك (المسند!!) بما خالف فيه مشهور المؤرخين من غير الإمامية، وإجماع محدثي الإمامية ومؤرخيهم أن الذي صلى على فاطمة هو أبو بكر وأن عليا قدمه في ذلك!! وفي هذا المسند بالرغم من أن السيوطي قد أورد فيه 284 رواية إلا أن المروي عن فاطمة مما ينطبق عليه عنوان المسند بشكل دقيق هو 24 رواية فقط!.
خُطَب السيدة الزهراء عليها السلام:
وبعد ذلك نقول إن من تجليات علم فاطمة الزهراء عليها السلام، خطبتها في المسجد وقد مر طرف من الكلام في خصائصها وميزاتها وعموم مواضيعها وطرق استدلالها فيها.
كما كان لها خطبة أخرى في نساء المهاجرين والأنصار وهي وإن كانت أقصر من خطبتها في المسجد إلا أنها أعادت فيها خلاصة لما ذكرت هناك مما يرتبط بأمر خلاف الخلافة على أمير المؤمنين عليه السلام وكونه أحق وأولى منهم بالقيادة، وأيضا عتابها الشديد لأزواجهن، ولا ريب أنهن قد بلّغن أزواجهن بموقفها. فعن ابن عباس، قال: دخلت نسوة من المهاجرين والأنصار على فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعدنها في علتها، فقلن لها: السلام عليك يا بنت رسول الله، كيف أصبحت؟ فقالت: أصبحت والله عائفة لدنياكن، قالية لرجالكن، لفظتهم بعد إذ عجمتهم، وسئمتهم بعد إذ سبرتهم، فقبحا لأفون الرأي وخطل القول وخور القناة، و (لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفى العذاب هم خالدون)، ولا جرم والله لقد قلدتهم ربقتها، وشننت عليهم عارها، فجدعا ورغما للقوم الظالمين.
"ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة والدلالة، ومهبط الروح الأمين، والطبين بأمور الدنيا والدين؟! ألا ذلك هو الخسران المبين! وما الذي نقموا من أبي الحسن عليه السلام؟! نقموا والله منه نكير سيفه، وقلة مبالاته"[175]بحتفه وتالله لو تكافوا عن زمام نبذه إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاعتلقه، ثم لسار بهم سيرا سجحا،والله لا يكلم خشاشه، ولا يتعتع راكبه، ولأوردهم منهلا رويا فضفاضا، تطفح ضفته، لأصدرهم بطانا قد خثر بهم الري غير متحل بطائل إلا بغمر الناهل وردع سورة الساغب، ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون.
فهلم فاسمع، فما عشت أراك الدهر العجب، وإن تعجب بعد الحادث، فما بالهم بأي سند استندوا، أم بأية عروة تمسكوا؟ (لبئس المولى ولبئس العشير) )وبئس للظالمين بدلا).
هامش
174 ) السيوطي، جلال الدين: مسند فاطمة الزهراء، مقدمة الكتاب.
175 ) الفقرة نقلها الطبرسي في كتابه الاحتجاج وهي أكثر استقامة مما نقله في الأمالي..