إذا كان القرآن الكريم يشهد بنزول الملائكة على مريم وهي دون فاطمة في الشرف والمنزلة والفضيلة[164]، وكذلك ما ورد في بعض صحاح مدرسة الخلفاء أن الملائكة كانت تنزل على بعض عُبّاد المؤمنين [165]على الرغم من أنه ليس لهؤلاء العُبّاد صفة استثنائية، فكيف نستبعد نزول الملائكة على فاطمة عليها السلام وقد ورد الخبر عن الصادق عليه السلام بأن جبرائيل كان ينزل عليها؟! وهذا لا نسوقه دليلا على حصول الحادثة وإنما هو لرفع الاستبعاد وإلزام الخصم الذي ينكر هنا ويسلم هناك.
مضمون مصحف فاطمة
المتحصل من الروايات أن هذا الكتاب المجلد الذي كتبه امير المؤمنين عليه السلام بعد مجيء جبرائيل بأخباره ونقله لهذه الاخبار لفاطمة عليها السلام، كان يحتوي على علم ما هو كائن من الاحداث المستقبلية، ونظرا لأن هذا العلم من العلوم الخاصة، كان من جملة مختصات المعصومين فهو لا يوجد الآن عند أحد من الخلق في هذا الزمان إلا عند صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه.
وذلك هناك مجموعة من العلوم الخاصة توارثها أهل البيت عليهم السلام كعلائم على أن لهم ارتباطاً خاصاً بالله عز وجل فلديهم علم خاص لا يصل إلى غيرهم، فبقي ذلك عندهم وهو من جملة علامات الإمام وعصمته. على سبيل المثال، لدينا الجامعة، وما أدراك ما الجامعة! فيها الأحكام الفقهية التفصيلية، حتى أرش الخدش مذكور في تلك الجامعة.
إن هذه الأحكام التفصيلية قد لا تستطيع الحصول عليها في القرآن الكريم ولا في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله، وإنما كان من علم رسول الله صلى الله عليه وآله الذي أورثه للأئمة المعصومين عليهم السلام. وكذلك ما قيل من كتاب الجفر، فيه علم من علوم الأنبياء السابقين، ولذلك فكل من يدعي في هذا الزمان ـ غير الإمام المعصوم ـ أن عنده كتاب الجفر فهو غير صادق.
مثلا قد ورد في الروايات لدينا عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال لأحد اصحابه قبل نهاية الدولة الأموية (في سنة مائة وثمانية وعشرين للهجرة يبدأ أمر الزنادقة ووجدت هذا في مصحف فاطمة)، والإمام الصادق عليه السلام عاش في تلك الفترة واستشهد سنة مائة وثمان وأربعون للهجرة، فكان يحدث أصحابه أنه سيبدأ أمر الزنادقة، أي مع نهاية الدولة الاموية ومع بدايات الحركة العباسية؛ لأن الدولة العباسية تأسست سنة مئة واثنين وثلاثين للهـجرة.
في تلك الفترة بدأت حركات الزنادقة، وفي ذلك الوقت كانوا يتحدثون عن نشاط لعبد الله بن المقفع الذي توفي في سنة مائة وخمسين للهجرة حيث بدأ نشاطه التشكيكي من وقت مبكر، وبعد ذلك بثلاث سنوات توفي عبد الكريم بن أبي العوجاء وهو من الزنادقة وهكذا غيرهم. بدأت هذه الحركات من سنة مائة وثمانية وعشرين للهجرة، ومصحف فاطمة عليها السلام كان في السنة العاشرة أو الحادية عشرة من الهجرة حيث ذكر فيه أنه ستبدأ حركات للزندقة والإلحاد في المجتمع المسلم بعد حوالي قرن من الزمن.
أما فيما يتعلق بالتطورات السياسية، فقد أشير في بعض الروايات إلى ما جاء في مصحف فاطمة عنها، ومن ذلك رواية تقول بأنه: جاء الفضيل بن يسار[166] الى الإمام الصادق عليه السلام، فقال له الإمام: رجعت إلى مصحف فاطمة فما وجدت حُكماً ولا ملكاً لهم – يعني أبناء عبد الله بن الحسن - في هذه البلاد – أي بغداد أو المدينة -)، بمعنى إذا كنت تعتقد أن هذه الحركة سيعقبها نصر على العباسيين فهذا لن يحصل.
هامش
164 ) في روايات متعددة عن النبي صلى الله عليه واله مفادها ان مريم سيدة نساء عالمها بينما فاطمة سيدة نساء العالمين طرا.
165 صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنّ رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته – طريقه - ملكاً، فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربّها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله عزّ وجلّ، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه "
166 (أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وممن شارك في حركة الحسنيين ضد المنصور العباسي.