ثم انكفأت عليها السلام، وأمير المؤمنين عليه السلام يتوقع رجوعها إليه، ويتطلع طلوعها عليه، فلما استقرت بها الدار، قالت: لأمير المؤمنين عليه السلام: يا بن أبي طالب، اشتملت شملة الجنين، وقعدت حجرة الظنين، نقضت قادمة الأجدل[148] فخانك ريش الأعزل[149]هذا ابن أبي قحافة يبتزني نحلة أبي وبلغة ابنيّ! لقد أجهد في خصامي، وألفيته ألد في كلامي حتى حبستني قيلة نصرها والمهاجرة وصلها، وغضت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع ولا مانع، خرجت كاظمة، وعدت راغمة، أضرعت خدك[150] يوم أضعت حدك! افترست الذئاب، وافترشت التراب، ما كففت قائلا، ولا أغنيت طائلا[151]ولا خيار لي، ليتني مت قبل هنيئتي، ودون ذلتي عذيري الله منه عاديا ومنك حاميا، ويلاي في كل شارق! ويلاي في كل غارب! مات العمد، ووهن العضد شكواي إلى أبي! وعدواي إلى ربي! اللهم إنك أشد منهم قوة وحولا، وأشد بأسا وتنكيلا.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لا ويل لك بل الويل لشانئك[152]ثم نهنهي عن وجدك[153]يا ابنة الصفوة، وبقية النبوة، فما ونيتُ عن ديني، ولا أخطأت مقدوري[154]فإن كنت تريدين البلغة، فرزقك مضمون، وكفيلك مأمون، وما أعد لك أفضل مما قطع عنك، فاحتسبي الله.فقالت: حسبي الله وأمسكت.
2/ خطابها لنساء المهاجرين والأنصار
قال سويد بن غفلة: لما مرضت فاطمة سلام الله عليها، المرضة التي توفيت فيها دخلت عليها نساء المهاجرين والأنصار يعُدْنها، فقلن لها: كيف أصبحت من علتك يا بنت رسول الله؟ فحمدت الله، وصلت على أبيها، ثم قالت:
أصبحت والله: عائفة لدنياكن، قالية[155] لرجالكن، لفظتهم بعد أن عجمتهم [156]وسئمتهم بعد أن سبرتهم[157] فقبحا لفلول الحد، واللعب بعد الجد، وقرع الصفات وصدع القناة، وختل الآراء وزلل الأهواء، (لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ) لا جرم لقد قلدتهم ربقتها وحملتهم اوقتها[158]وشنت عليهم غاراتها فجدعا، وعقرا وبعدا، للقوم الظالمين.
ويحهم أنّى زعزعوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة والدلالة، ومهبط الروح الأمين، والطبين[159] بأمور الدنيا والدين؟! (أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِين)ُ!
وما الذي نقموا من أبي الحسن عليه السلام؟ نقموا والله منه نكير سيفه، وقلة مبالاته لحتفه، وشدة وطأته، ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله وتالله لو مالوا عن المحجة اللايحة، وزالوا عن قبول الحجة الواضحة، لردهم إليها، وحملهم عليها ولسار بهم سيرا سجحا لا يكلم خشاشه ولا يكل سائره ولا يمل راكبه، ولأوردهم منهلا نميرا، صافيا، رويا، تطفح ضفتاه ولا يترنق جانباه ولأصدرهم بطانا، ونصح لهم سرا وإعلانا، ولم يكن يتحلى من الدنيا بطائل، ولا يحظى منها بنائل، غير ري الناهل، وشبعة الكافل، ولبان لهم: الزاهد من الراغب والصادق من الكاذب،) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، (وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ) ألا هلم فاسمع؟! وما عشت أراك الدهر عجبا! وإن تعجب
هامش
148 ) قوادم الطير: مقادم ريشه وهي عشرة والأجدل: الصقر
149 ) الأعزل: ما لا يقدر على الطيران من الطيور
150 ) خضعت
151 ) أي ما فعلت شيئا نافعا
152 ) مبغضك
153 ) خففي غضبك وحزنك
154 ) ما تركت ما دخل تحت قدرتي أي لست قادرا على الانتصاف لك لما أوصاني به الرسول
155 ) مبغضة
156 ) لفظتهم: رميت بهم وطرحتهم بعد أن عجمتهم: أي بعد أن اختبرتهم وامتحنتهم
157 ) مللتهم بعد أن امتحنتهم
158 ) ثقلها
159 ) الفطن الحاذق