شذرات من هنا وهناك وهي تعكس جانبا مما وراء هذه الشذرات والعناوين، نتحدث عن هذا لكي ننظر إلى صفحة مشرقة قابلة للاقتداء من حياة هذه السيدة الجليلة والصديقة الطاهرة.
هل يتيسر للإنسان أن يجمع بين صفات العبادة والعلم بشكل متكامل
وعندما نتناول الجانب العبادي في حياة سيدتنا فاطمة، ينبغي أن نلتفت إلى أنه أحد جوانب الكمال في شخصيتها، وليس الجانب الوحيد. ذلك أن من الممكن أن تجد عابدا قد اعتزل الناس فهو متفرغ للصلاة والمناجاة والتهجد، لكنه لا يوجد له جهات كمال أخر. أو تجد عالما محققا قد انقطع للتحقيق والعلم والكتابة والتأليف لكن عبادته ليست في الدرجة العالية، وهكذا..
إنما الكمال كل الكمال هو أننا أمام امرأة هي زوجة وفي أعلى درجات حسن التبعل لزوجها حتى قال فيها:(ولقد كنت أنظر إليها فتنجاب عن قلبي الهموم)، وهي أم لأربعة أولاد قد أنجبتهم بشكل متتال تقريبا بحيث كان بين بعضهم والآخر مقدار الطهر فقط كما هو المعروف! وهؤلاء يحتاجون في تربيتهم إلى عناية خاصة، وهي فوق ذلك كانت في أول العمر فقد أنجبت أول أبنائها وهي بحدود الحادية عشر من العمر! وزوجها كان في كثير من الأوقات تحتضنه جبهات القتال وميادين الحرب والتي كان قسم منها بعيدا عن المدينة المنورة، ويحتاج أن يبقى أياما بعيدا عن زوجته لأجل ذلك.
وكانت إلى ذلك تعيش في شدة وصعوبة، وبالذات في أوائل زواجها حتى نقل أنها كانت تقول:(لم يكن عندنا إلا جلد كبش ننام عليه في الليل وفي النهار نبسطه للطعام)، هذه الحالة تسبب ضغط على الرجل وعلى المرأة ومع ذلك - في جانب التبعل والحياة الزوجية - تدير الأمر بهذه الطريقة.
وقد سألته كنوع من الاعتذار - ربما قد بدر منها شيء- في أثناء وصيتها له:(ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك مذ عاشرتني) ، قال:(معاذ الله أنت أتقى لله وأبر من أن أوبخك بمخالفتي).
إضافة إلى ذلك كانت النساء يأتين الزهراء عليها السلام ويسألنها عن أمور دينهن، فذات مرة جاءتها امرأة تسأل، وكل ما تجيب الزهراء مسألتها أعادت السؤال كأنها لم تفهم حتى بلغت مراراً -بعضهم قال سبع مرات- فقالت المرأة: كلفتك في هذا. فقالت الزهراء عليها السلام:(لا، كلما أعدت عليّ زاد لي الثواب والأجر).
فكانت عليها السلام تجمع الجانب الزوجي والعلمي والسياسي والعبادي وهذا ما يدل على مقدار العظمة والكمال لدى الزهراء عليها السلام.
الصحيفة الفاطمية:
الدعاء هو صلة بين العبد وربه، وحديث العبد إلى ربه، ومناجاة واتصال، وإذا جاء الدعاء من معصوم فإنه يحمل معانيَ كثيرة، ويزيد المعرفة بالدين والأخلاق وبالله عز وجل.
ولذلك كانت الأدعية أحد مصادر المعرفة الدينية، بل إن بعض العلماء كانوا يستدلون ببعض ما ورد في الأدعية في بحوثهم الفقهية.
فمن باب المثال يستشهد بعض علمائنا بإحدى فقرات دعاء الندبة المنسوب إلى المعصومين عليهم السلام في مسألة فقهية دقيقة جداً في بحث المعاملات حول الشروط، وانه هل يشمل الشرط الشروط الابتدائية أو لابد أن يكون الشرط تابعاً لأحد العقود؟ وذلك من خلال التأمل في فقرة (بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية فشرطوا لك ذلك)[167]الواردة في ذلك الدعاء.
هامش
167 ) الأنصاري؛ الشيخ مرتضى: كتاب المكاسب، ج ٥، الشيخ الأنصاري، ص ٢١: لكن لا يبعد منع صدق الشرط في الالتزامات الابتدائية، بل المتبادر عرفا هو الإلزام التابع، كما يشهد به موارد استعمال هذا اللفظ حتى في مثل قوله عليه السلام في دعاء التوبة: " ولك يا رب شرطي أن لا أعود في مكروهك، وعهدي أن أهجر جميع معاصيك "، وقوله عليه السلام في أول دعاء الندبة: " بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا " كما لا يخفى على من تأملها.