في الوقت الذي كان فيه أهل البيت على خط المواجهة الأول كان الحزب القرشي في رفاهية من العيش وادعين هانئين آمنين!.
وتمر الأيام فإذا بهؤلاء الذين لم يضحوا بشيء أصبحوا يحوزون كل شيء، فصار قصارى ما يطمح إليه الأنصار معهم أن يكونوا وزراء بينما يكون أعيان الحزب القرشي هم الأمراء! وأما الخط المضحي والمجاهد من أهل بيت النبي ومن سار معهم، فقد أخرجوا من كل ذلك.
بل سيزداد الأمر سوءا فيما بعد سنة 40 هـ عندما يستلم الأمويون الخلافة لكي يصبح شتم كبير أهل البيت عليهم السلام وهو أمير المؤمنين عليّ عليه السلام سنة قائمة، وسيصبح ذم الأنصار وهجاؤهم بواسطة أجهزة الاعلام الأموي سياسية، ما عبر عنه الأخطل الشاعر النصراني السكير، والحائز على جوائز البلاط الأموي في دمشق لكي يهجو الأنصار ويسبّهم، ببذاءة، فمما اشتهر عنه قوله:
لعن الإله من اليهود عصابةً *** بالجزْع بين صليصل وصرارِ[80]
خلّوا المكارم لستم من أهلها *** وخذوا مساحيكم بني النجار
ذهبت قريشٌ بالمكارم والعُلى *** واللُؤم تحت عمائم الأنصارِ.
بل كان معاوية نفسه يهين الأنصار ما استطاع، لا سيما وأن الموقف العام للأنصار في المدينة كان سلبيا تجاه الأمويين، وهذا ما كشفه حين زار المدينة وواجهه الأنصار بفتور فلم يستقبلوه بما كان يتوقع من الحفاوة، باستثناء النعمان بن بشير ومعه بعض اقاربه، والنعمان التحق بالنهج الأموي فكان لزاما أن يخرج[81]!
إيهًا بني قيلة: العتاب الشديد من الزهراء عليه السلام للأـنصار
هذه الفئة التي كان لها الدور الأكبر في نصرة الإسلام، تخاطبها سيدة النساء عليها السلام وتقول:(إيهًا بني قيلة[82]! أأهضم تراث أبي وأنتم بمرأى مني ومسمع، ومنتدى ومجمع؟ تلبسكم الدعوة، وتشملكم الخبرة، وأنتم ذو والعدد والعدة، والأداة والقوة، وعندكم السلاح والجنة. توافيكم الدعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون، وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح، والنخبة التي انتخبت، والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت؛ قاتلتم العرب، وتحمّلتم الكدّ والتعب، وناطحتم الأمم، وكافحتم البهم، لا نبرح أو تبرحون، نأمركم فتأتمرون، حتى إذا دارت بنا رحى الإسلام، ودرّ حلب الأيام، وخضعت ثغرة الشرك، وسكنت فورة الإفك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت دعوة الهرج، واستوسق نظام الدين. فأنى حرتم بعد البيان، وأسررتم بعد الإعلان، ونكصتم بعد الإقدام، وأشركتم بعد الإيمان؟)
كان موقف سيدة النساء فاطمة عليها السلام صريحا واضحا في تشخيص هذه الفئات، في نفس الوقت الذي حمّلت فيه المسئولية الاتجاه القرشي وواجهتهم بالحجج والبراهين، واتهمتهم بأنهم يدبرون هذا الأمر عن عمد في ذلك، ومخالفين لكلام رسول الله صلى الله عليه وآله ولبصائر القرآن، عرّجت على موقف الأنصار وأدانت هذا الموقف وبينت أنه لم يكن متوقعًا منهم هذا الأمر، ونعتقد أن مواقف
هامش
80 ) منطقتان في المدينة، ويلاحظ أنه أبقاهم في دائرة اليهود، ونفاهم من الدائرة الإسلامية مع أنه مسيحي منحرف، وهم الذين بجهدهم شاد الإسلام بناءه وكيانه!
81 ) الطبرسي، أحمد بن علي الاحتجاج ٢/ ١٥ في تتمة الخبر.. فلما نزل قال: ما فعلت الأنصار وما بالها لم تستقبلني؟ فقيل له: إنهم محتاجون ليس لهم دواب. فقال معاوية: فأين نواضحهم؟ فقال قيس بن سعد بن عبادة - وكان سيد الأنصار وابن سيدها -: أفنوها يوم بدر واحد وما بعدهما من مشاهد رسول الله صلى الله عليه وآله، حين ضربوك وأباك على الإسلام حتى ظهر أمر الله وأنتم كارهون، فسكت معاوية!
82 ) جدة الأوس والخزرج