تأتي إليك، وهذا لا يحتاج إلا إلى موقف نفسي، يحتاج الى صمود وتجلد واحتساب، ان تقول حسبنا الله ونعم الوكيل. تحتسب عند الله سبحانه وتعالى، وتصبر على ما أصابك. فبماذا بلغ أيوب ما بلغ؟ بلغ بما تشير إليه الآية المباركة (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)[76]، وفي هذه الآية من ابدع اساليب الاستعطاف والاسترحام.. فهو لا يقول اكشف عني ضري أو أزل كربي وإنما يشير إلى حاله، ويشير إلى فضل ربه ورحمته.. مسني الضر وأنت أرحم الراحمين.
هذا النحو من التعريض هو من أفضل أنحاء الأدب مع الله سبحانه وتعالى.
هذه الكلمات هي مما جاء في خطاب الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام وبينت فيها طرفا من مقاصد التشريعات الإسلامية وفلسفتها، وبالطبع لم تكن سلام الله عليها في درس فقهي حتى تتعرض لكل الجهات، وإنما هو ضمن المرور على مقدمات تمهد بها المطلب الأساس في الاحتجاج على مؤسسة الخلافة وخطوتها في حرمانها عليها السلام من ميراثها. ومع أنها كانت كذلك على سبيل المقدمات والاسترسال ومع ذلك جاءت بهذا الكلام الدقيق والمتين معنى والبليغ لفظا وأسلوبا.
مجتمع المدينة بعد النبي في الخطبة الفدكية
مما جاء في خطبة مولاتنا سيدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام حينما وجّهت خطابها إلى الأنصار أنها قالت:(إيهاً بني قيلة، أَأُهضم تراث أبيَ؟ وأنتم بمرأى مني ومسمع، ومنتدى ومجمع، تلبسكم الدعوة وتشملكم الصرخة، وأنتم ذوو العدد والعدّة والأداة والقوّة، وعندكم السلاح والجُنّة توافيكم الدعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون، وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح، والنخبة التي انتخبت، والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت، قاتلتم العرب وتحملتم النصب والتعب، وناطحتم الأمم، وكافحتم البهم لا نبرح أو تبرحون، نأمركم فتأتمرون، حتى إذا دارت بكم رحى الإسلام ودرّ حلب الأيام وخضعت نعرة الشرك، وسكنت فورة الإفك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت دعوة الهرج، واستوسق نظام الدين، فأنّى حُرتم بعد البيان، وأسررتم بعد الإعلان، ونكصتم بعد الإقدام وأشركتم بعد الإيمان، أ(َلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض، وركنتم إلى الدعة، ونجوتم من الضيق والسعة، فمججتم ما وعيتم ودسعتم الذي تسوغتم، فـ (إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ).
صدقت سيدتنا ومولاتنا الزهراء صلوات الله وسلامه عليها
سيتناول حديثنا في ظلال خطبة فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها تحليلاً للمواقف في المجتمع المدني المسلم، وذلك بُعيد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، حيث بَيّنت خلال هذه الخطبة أنّ هناك ثلاث فئات في هذا المجتمع نعرض لها بالتفصيل إن شاء الله تعالى.
الفئة الأولى: فئة أهل البيت عليهم السلام
يتمثل في رأس هذه القائمة والعنوان أمير المؤمنين عليه السلام ومن تبعه من بني هاشم ومن كان من أنصاره سواء من الأنصار أو المهاجرين.
الفئة الثانية: فئة التيار القرشي
هامش
76 ) سورة الأنبياء: آية 83