جواب أبي طالب كان صفعة عنيفة لخيالاتهم، وهدماً لهيكل أمانيهم:
والله لبئس ما تسومونني!! أتعطونني ابنكم اغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه!! هذا والله ما لا يكون أبداً!
وكان نتيجة ذلك المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية الشاملة فقد اجتمعت قريش على أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب: أن لا ينكحوا إليهم ولا يبيعوا منهم شيئاً ولا يتبايعوا ولا يقبلوا منهم صلحاً أبداً ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله للقتل، ويخلوا بينهم وبينه.
وهكذا غدا شيخ الأبطح سجين الشِّعب يشرب الماء الآسن ويأكل ورق الشجر تمرّ الأيام والحصار يشتد يوماً بعد يوم، والجوع يفتك بالصبية، والصيف والعطش يجهد الكبار، وما كان يرسله بعض القرشيين من المنصفين في جوف الليل من جمال محملة بالطعام لم يكن ليسد جوع الأفواه ولا يروي غليل عطشها، وأبو طالب يتحمل ذلك كله في سبيل الدفاع عن دين الله وحياطة رسول الله صلى الله عليه وآله ولا يزداد في اللأواء إلاّ بصيرة في دينه.
كان يوم..
يقبل فيه الرسول على أبي طالب، وليسر إليه من بين الجمع بكلمات، فيبتسم أبو طالب:
- يا ابن أخي ! أربك أخبرك بهذا؟!
- نعم. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
- والثواقبِ ما كذبتني قط.
* * *
تهامس القرشيون، وسكروا بخمرة "وهم الانتصار" فما الذي جاء بأبي طالب ومعه الهاشميون، وقد بانت آثار الحصار على سمرة وجوههم، وضعف أبدانهم، وثيابهم أيضاً.. بينما رقّ غيرهم لحال أبي طالب، ذلك الذي كان أعز قريش، وشيخ أبطحها أيصير به التزامه بابن أخيه إلى هذا الحد من الجهد والبلاء؟!.
نعم.. ها قد جاء أبو طالب إلى المسجد:
- يا معشر قريش..
جرت بيننا وبينكم أمور لم تذكر في صحيفتكم فأتوا بها لعلّ أن يكون بيننا وبينكم صلح.. (لقد قال ذلك خشية أن ينظروا فيها قبل أن يأتوا بها فتفشل المهمة). وهكذا أتوا بها وهم لا يشكون أن أبا طالب يدفع إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.. ووضعوها بينهم، وقالوا لأبي طالب:
- قد آن لكم أن ترجعوا عما أحدثتم علينا وعلى أنفسكم !! فأجابهم:
- أتيتكم في أمر هو نَصف بيننا وبينكم.. أن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني: أن الله قد بعث على صحيفتكم دابة فلم تترك فيها إلاّ اسم الله فقط، فإن كان كما يقول فأفيقوا عما أنتم عليه فوالله لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان باطلاً دفعناه إليكم فقتلتم أو استحييتم!
فقالوا - بأجمعهم -: رضينا!!
إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب — صفحة 47
مساهمون: فوزي آل سيف
ص٤٧