تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
وفتحت الصحيفة فإذا بها قد أكلتها الأرضة من أولها إلى آخرها باستثناء اسم الله سبحانه وتعالى. وبهذا خرجوا من الحصار وبان لمن كان له قلب صدق نبوة الرسول، وأرخ أبو طالب تلك الحادثة في قصيدته الدالية التي جاء فيها: ألا إن خير الناس نفساً ووالداً إذا عد سادات البرية أحمد نبي الإله والكريم بأصـله وأخلاقه وهو الرشيد المؤيد وخرج الجمع من ذلك الحصار، وكانت إرادة الله أن تختم حياة شيخ المؤمنين الحافلة بالفضائل، بفضيلة من هذا النوع، بعد أن بلغ به العمر أقصاه في خدمة النبي وأتباعه والدفاع عنه. وها هو أبو طالب مسجى على فراش الموت يلقي بعينيه لمن حوله من القرشيين موصياً بنصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مستشرفاً أبعاد المستقبل حيث سيسخر الله لنصرة ابن أخيه من ينهي أسطورة قريش وينشر الدين لا في أرض العرب بل لكل الناس، ويبين أن سبب عدم إظهاره إيمانه بعدما قبله قلبه، إنما هو خوفه الشنآن والعداوة، والتزامه التقية.. ...وإني أوصيكم بمحمد خيراً فإنه الأمين في قريش والصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به، وقد جاءنا بأمر قبله الجنان، وأنكره اللسان مخافة الشنآن، وأيم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب وأهل الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته، وعظموا أمره فخاض بهم غمرات الموت وصارت رؤساء قريش وصناديدها أذناباً، ودورها خراباً وضعفاؤها أرباباً، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأصفت له فؤادها وأعطته قيادها. دونكم يا معشر قريش! ابن أبيكم كونوا له ولاة ولحزبه حماة والله لا يسلك أحد سبيله إلاّ رشد ولا يأخذ أحد بهديه إلا ّ سعد، ولو كان لنفسي مدة في أجلي تأخير لكففت عنه الهزاهز ولدفعت عنه الدواهي. وأدار عينه في بني عبد المطلب، وأوصاهم بطاعة الرسول واتباعه على الخصوص.. - لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد وما اتبعتم أمره فاتبعوه وأعينوه ترشدوا.. وهكذا فكما كان حفظ محمد واتباعه رفيق حياة أبي طالب فقد كان ذكر " محمد" واسم " محمد " ودين "محمد " آخر لفظة من الدنيا، وأطبقت عينا مؤمن قريش. ونزل الوحي على رسول الله لكي يهاجر تاركاً مكة فلم يعد له بها ناصر بعد أبي طالب. أبو طالب مؤمن قريش ولولا أبوطالب وابنه لما مثل الدين شخصًا فقاما