- من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته؟ فقام ابن الزبعرى فأخذ فرثاً ودماً فلطّخ به وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فانفتل النبي صلى الله عليه وآله من صلاته، ثم أتى عمه أبا طالب:
- يا عم ألا ترى ما فُعل بي؟!
- من فعل بك هذا؟! سأله عمه.
- عبد الله بن الزبعرى.
وانتهضت في أبي طالب حمية الدين الهاشميّة، وقام حاملاً سيفه على عاتقه ومشى معه، حتى أتى القوم، فلما رأوه قد أقبل جعلوا ينهضون، فقال لهم:
- والله لئن قام رجل جلّلته بسيفي.
فقعدوا حتى دنا إليهم، وقال للنبي: يا بني من الفاعل بك هذا؟!
فقال: عبد الله بن الزبعرى.. فأخذ أبو طالب فرثاً ودماً فلطّخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول..
ولك أن تتصور عزيزي القارئ (سادة) قريش وقد رجع كل واحد منهم إلى منزله وقد تخضبت لحيته، وتلطخت ثيابه من الدماء الفاسدة.
وإذ يؤمن حمزة أخوه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقوى جانب الرسول صلى الله عليه وآله فيسر ذلك أبا طالب، ويمرّ على أخيه مشجعاً إياه على الالتزام بدين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وإظهار ذلك، وإشهاره أمام الناس قائلاً له:
فصبراً أبا يعلى على دين أحمد وكن مُظهِراً للدين وفقت صـــابراً
وحُط من أتى بالحق من عند ربه بصدق وعزم لا تكن حمزُ كـــافرا
فقد سرني إذ قلت إنك مؤمن فكن لرسول الله في الله ناصراً
وبادِ قريشاً بالذي قد أتيته جهاراً وقل: ما كان أحمد ساحراً[102]
وأطلقت قريش آخر سهم في كنانتها، المساومة، بعد أن فشلت المناوأة..
- يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله فخذه فلك عقله ونصره واتخذه ولداً فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالفك دينك [103]ودين آبائك. وفرّق جماعة قومك وسفه أحلامهم، فنقتله فإنما هو رجل برجل.
كان بريق النجاح يطلّ من عيون القادمين إلى أبي طالب وهي تلتقي، فما هي إلاّ ساعة من النهار حتى يحتفلوا بنخب قتل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، إذ لم يكن يخالجهم أدنى شك في سرعة قبول أبي طالب.
هامش
102 ) المصدر عن أسد الغابة
103 ) يظهر من هذه الجملة الأداء الرائع من قبل أبي طالب لدوره المتمثل في إخفاء الإيمان وإظهار الشرك، بحيث لم يشكوا في خلاف النبي لمعتقدات أبي طالب.