مسيطرة في داخل المنزل في حال غياب الزوج لا الجغرافي والفيزيائي وإنما النفسي، فتتشكل أخلاق الأولاد بلا توجيه، ونفسياتهم من دون تربية. وهنا يكون الموجه هو التلفزيون وما يعرضه من أفكار باطلة عن الحياة، وهي أسوأ من المناظر الخلاعية والفاسدة، فهذه تثير شهوة مؤقتة، وتلك تفسد مسار حياة كامل، فـ>تبعد عليه القريب وتقرب عليه البعيد<. ويكون المربي هو الشارع والأصدقاء، وهم إن لم يكونوا أسوأ حالا من هذا الولد فليسوا بأحسن حالا إذ هم يعانون نفس المشكلة لو لم يكن أكثر. نعم تبقى هناك صور طيبة، وهي التي نلاحظ آثارها في صلاح المجتمع من تحمل الوالدين لمسؤولية التربية، والحرص عليها، واعتبارها الدور الأول، قبل إعداد الطعام، وجلب المال، وما نراه من خير، وصلاح في العوائل مرده إلى هذا التوجه.
ولكي نستهدي بطريق أهل البيت عليهم السلام، ونتبين مقدار أثر التربية في إنتاج النماذج الفريدة، نأخذ مثلا من حياة فاطمة بنت الإمام الحسين عليه السلام . فقد بلغت بتربية أبيها، واستعداد نفسها إلى أن أصبحت تلك العالمة المحدثة التي يروي عنها الفريقان الكثير من الأحاديث، وتلك العابدة التي كانت >تقوم الليل كله وتصوم النهار<، وتلك المؤتمنة على ودائع النبوة ومواريث الإمامة عندما استودعها الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء كتابا ملفوفا ووصية([171]).
وهي اللبوأة الحسينية التي تقف أمام جموع أهل الكوفة بتقرعهم بنوازل التوبيخ، وصواعق اللوم، وتحملهم مسؤولية الإثم الذي ارتكبوه، وأنه لا كفارة له إلا نصرة المنهج، والاستمرار في معارضة الظلم. وهي المربية التي تنشئ أولئك الأبطال الثائرين من نسل الإمام الحسن عليه السلام حتى عادت علامة فارقة لآل الحسن فيما بعد، أنهم حاملو راية الثورة المسلحة، وحليفو السجون المظلمة والمهاجر النائية.
الراوية العالمة:
بالرغم من أن فاطمة لم تعاصر جدتها الزهراء، أو جدها أمير المؤمنين عليه السلام، إلا أن كونها في بيت النبوة قد ساعدها، على أن تكون نظرة واضحة عما جرى إثر رسول الله صلى الله عليه وآله ،
هامش
171 ) في رواية ـ في الكافي ج1 ـ وفي طريقها أبو الجارود زياد بن المنذر، ولا توثيق له لكن يمكن أن يستفاد حسن حاله من روايته عن المشايخ الثقات الذين قيل إنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة، وكذلك من كونه لم يستثن من كتاب نوادر الحكمة. ثم إنه سيأتي في ذكر حكيمة بنت الإمام الجواد عليه السلام أن الحسين بن علي عليه السلام أوصى إلى أخته زينب بنت علي عليه السلام في الظاهر فكان ما يخرج عن علي بن الحسين عليه السلام من علم ينسب إلى زينب ( سترا على علي بن الحسين عليه السلام، ولا تعارض بين ما سيذكر هناك وما هو هنا، فإن المذكور في هذه الرواية أنه ائتمنها على الوصية الكتابية لتحفظها حتى إذا رجعوا إلى المدينة، وتخلصوا من الأسر أعطتها إلى الإمام السجاد عليه السلام.