ثم نزل ابن زياد فدخل وقد عقد لعمرو بن حريث راية وأمره على الناس فلما اصبح جلس مجلسه وأذن للناس فدخلوا عليه واقبل محمد بن الأشعث فقال: مرحباً بمن لا يستغش ولايتهم، ثم أقعده إلى جنبه وأصبح ابن تلك العجوز وهو بلال بن أسيد الذي آوت أمه ابن عقيل فغدا إلى عبدالرحمن بن محمد بن الاشعث فأخبره بمكان ابن عقيل عند أمه.
قال: فاقبل عبدالرحمن حتى أتى أباه وهو عند ابن زياد فساره فقال له ابن زياد: ما قال لك؟ قال: أخبرني أن ابن عقيل في دار من دورنا فنخس بالقضيب في جنبه ثم قال: قم فأتني به الساعة.
قال أبو مخنف: فحدثني قدامة بن سعيد بن زائدة بن قدامة الثقفي: أن ابن الأشعث حين قام ليأتيه بابن عقيل بعث إلى عمرو بن حريث وهو في المسجد خليفته على الناس أن ابعث مع ابن الأشعث ستين أو سبعين رجلاً كلهم من قيس وإنما كره أن يبعث معه قومه لأنه قد علم أن كل قوم يكرهون أن يصادف فيهم مثل ابن عقيل فبعث معه عمرو بن عبيدالله بن عباس السلمي في ستين أو سبعين من قيس حتى أتوا الدار التي فيها ابن عقيل.
فلما سمع وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال عرف أنه قد أتي فخرج إليهم بسيفه واقتحموا عليه الدار فشد عليهم يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار ثم عادوا إليه فشد عليهم كذلك.
فاختلف هو وبكير بن حمران الأحمري ضربتين فضرب بكير فم مسلم فقطع شفته العليا واشرع السيف في السفلى ونصلت لها ثنيتاه فضربه مسلم ضربة في رأسه منكرة وثنى بأخرى على حبل العاتق كادت تطلع على جوفه فلما رأوا ذلك اشرفوا عليه من فوق ظهر البيت فاخذوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في أطنان القصب ثم يقبلونها عليه من فوق البيت فلما رأى ذلك خرج عليهم مصلتاً بسيفه في السكة فقاتلهم فاقبل عليه محمد بن الأشعث فقال: يا فتى لك الأمان لا تقتل نفسك، فأقبل يقاتلهم وهو يقول:
أقسمت لا أقتل إلا حرّا
| وإن رأيت الموت شيئاً نكرا
كل امرئ يوماً ملاق شرّا
| ويخلط البارد سخناً مرا
رد شعاع الشمس فاستقرا
| أخاف أن أكذب أو أغرا
فقال له محمد بن الأشعث: إنك لا تكذب ولا تخدع ولا تغر، إن القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك. وقد أثخن بالحجارة وعجز عن القتال وانبهر، فأسند ظهره إلى جنب تلك الدار فدنا محمد بن الأشعث فقال: الأمان فقال: آمن أنا؟ قال: نعم، وقال القوم: أنت آمن غير عمرو بن عبيدالله بن العباس السلمي فإنه قال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل وتنحى.
نساء حول أهل البيت — صفحة 176
مساهمون: فوزي آل سيف
ص١٧٦