تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نساء حول أهل البيت — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
وشراء الدين بثمن بخس.. لا أول له، ولا آخر، وإذا ذكر فإنما يذكر باللعنة! وفي هذا عبرة، فلا شك أنه عاش مدة من الزمان، وأكل وشرب، وتزوج، وصادق أناسا، وفارق آخرين، وكسب مالا وخسر غيره، ولبس من الثياب، وسعى هنا وهناك، لكن هذه الأمور كلها تنتهي، ويبقى للإنسان موقفه، فيبقى به درسا للأجيال كما كانت أمه طوعة، أو لعنة على الأفواه كما كان هو. وكانت طوعة على موعد مع الخلود، والجنة حين اختارت لنفسها نصرة الحق، وإيواء مسلم بن عقيل سفير الحسين ورسوله إلى الكوفة، بعدما تخاذل >أسود الشرى في الدعة، والثعالب الرواغة حين البأس<، أسماء أفنت حياتها في التوافه.. الشرف المشترى بالملابس الفاخرة!! والحسب المأخوذ بالانتماء الاجتماعي!! وهياكل الأجساد التي تخبئ تحتها قلوبا بلا موقف، وأدمغة بلا بصيرة.. كل تلك صنعت فاجعة الهزيمة، وانتصر باطل ابن زياد على قلة عدده على جموع أهل الكوفة، وفيهم كما تقول الأخبار (الأشراف) والعدد الكبير!! وإذا كانت كل تلك الجموع قد خرجت من الذاكرة، إما نهائيا وإما خرجت تشيعها لعنة المواقف الخائنة للرسالة، فإن اسما ظل مكتوبا بأحرف من نور على جبين الدهر، لامرأة علمت التاريخ أن الصورة الخارجية، والعنوان العام للإنسان (كونه أنثى أو ذكراً) ليس هو الذي يصنع له المجد، وإنما الموقف الذي يتخذه من الحق والباطل.. نعم بعدما سقط من يملكون (أدوات الرجولة)، أمام الخوف، والطمع.. كان لهذه المرأة موقف وأي موقف. ولكي تطلع عزيزي القارئ على الجو العام الذي ساد في الكوفة وهي تمخض بالحوادث، بعد قدوم مسلم ابن عقيل إليها رسولا من الحسين عليه السلام ، ومبايعة الناس له ثم مجيء عبيد الله بن زياد واليا من قبل يزيد، ليستلم من النعمان بن بشير إمارة الكوفة، والصراع الذي دار بين ذوي الأهواء الأموية، وعبدة الطاغوت والساجدين للسلطان أيًّا كان من جهة، وبين أصحاب المواقف الذين ناصروا مسلما ودفعوا حياتهم القصيرة ثمنا لحياتهم الدائمة، وربح بيعهم كهاني بن عروة، وأصحاب الدين والجهاد كشريك الأعور.. وبين هؤلاء وهؤلاء ترى مواقف الأكثرية عندما تفكر في عاجلها، وتنسى مستقبلها، عندما تنهزم أمام الباطل نقدا وتريد أن تنصر الحق نسيئة!! عندما يختلف ما في قلوبها عما على سيوفها، وعندما تفكر في صغائر الأمور فتسقط من التاريخ والجغرافيا، والحاضر والمستقبل.. دعنا نستمع إلى الأزدي لوط بن يحيى، المؤرخ الذي عاصر الأحداث([143]): ها هو ابن زياد قد أقبل إلى الكوفة متخفيا تحت عمامة حجازية وعباءة يمنية، ودخل قصر الإمارة عازلا النعمان بن بشير،
هامش
143 ) وسوف نستغني عن ذكر بعض أسانيده، ونقتصر على أصل الخبر، ونشير إليه بين هلالين.