وأصحابه، واستطاع عمرو بن الحمق الخزاعي أن يخرج من الكوفة متسللا، حتى نزل المدائن وكمن في جبل لكن عامل ذلك الرستاق، اطلع على خبره فجرد له فرقة عسكرية، وكان قد مرض بحيث لا يستطيع القتال، فأسر وأخذ إلى عامل الموصل الذي عرف شخصيته، فكتب إلى معاوية، الذي أصدر الأمر بقتله فوراً..
واستشهد عمرو بن الحمق، وبعث برأسه إلى معاوية وكان أول رأس حمل في الإسلام كما أخبره أمير المؤمنين عليه السلام .
وجيء برأس عمرو بن الحمق إلى الشام، إلى قصر معاوية، وقد استتب له الأمر، فدفعه إلى الحارس وأمره أن يذهب به إلى زوجته آمنة، وكانت قد سجنت فيه سنتين، وقال له أن يحفظ ما تتكلم به حتى يؤديه إليه، ترى.. هل كان معاوية يتوقع أن يسمع ذلك الرد العنيف المنطلق من قلب مؤمن بالله، واع بأن طريق الجهاد والولاية طريق محفوف بالمصاعب، والتضحيات، وأن نهاية المجاهدين فيه وأقصر طريق لهم هم طريق الشهادة وأنهم لا يدخلون الجنة إلا من أوسع أبوابها، وأنه لو فاتهم شهادة في صفين والجمل، فإن الله لن يحرمهم من شهادة أخرى متميزة؟
أم تراه كان يحب أن يسمع ضجيج امرأة ثاكل قد أحاط بها الهم في سجنه مدة سنتين من الزمان، هل كان سادياً يتلذذ بعذاب الآخرين، ويرتاح إلى أنين النساء وبكائهم؟
أو أنه كان يتوقع أن تنهد قوى المرأة المؤمنة تلك، فتتكلم بما يسره من الاستعطاف والاسترحام؟
فجاء الحارس وطرح الرأس في حجرها، فارتاعت هنيئة ثم وضعت يدها على رأسها وقالت:
واحزناه لمصرعه في دار هوان وضيق مجلس سلطان، نفيتموه عني طويلا ثم أهديتموه إلي قتيلا، فأهلا وسهلا بمن كنت له غير قالية، وأنا اليوم له غير ناسية، ارجع أيها الرسول إلى معاوية وقل له ولا تَطوِهِ (أي لا تخفه عنه): أيتم الله ولدك وأوحش منك أهلك، ولا غفر لك ذنبك!!
وجاء الحارس وأخبر معاوية بما شاهده وما سمع، فأرسل إليها وأتوه بها، وهو في جماعة منهم إياس بن حِسل أخو مالك بن حِسل، وكان في شدقه نتوء عن فمه لعِظَم في لسانه وثقل.
قال معاوية لها: أنت يا عدوة الله صاحبة الكلام الذي بلغني؟
فقالت آمنة: نعم، غير نازعة عنه ولا معتذرة منه، ولا منكرة له فلعمري إني قد اجتهدت في الدعاء (عليك) غاية الاجتهاد وإن الله من وراء العباد فما بلغت شيئا من جزائك، والله بالنقمة من ورائك.
نساء حول أهل البيت — صفحة 140
مساهمون: فوزي آل سيف
ص١٤٠