قال: نعم وكرامة قد اعفيتك([124]).
وأول ما يلاحظه المتأمل هو التزامها بما التزم به إمامها بعد الصلح، فما دام الإمام قد صالح وهادن فقد أصبح الموقف الجديد يقتضي سلوكا جديدا، ولهذا لما استدعيت من قبل الحكم الجديد قالت إنها تستجيب وإنها لا تخلع طاعة وغير زائغة عنها. وهذا الموقف منها ينم عن وعي سياسي عال فإن الكثير من المعارضين لجهة عندما تتغير الظروف وتكون مصلحة المؤمنين أو الإيمان في الهدنة أو الصلح، لا يستطيعون (هضم) هذه الوجبة , ويظلون يعيشون ضمن معادلات الظرف القديم.. وبعضهم يفعل ذلك بحسن نية ويرى أنه هو المجاهد الحقيقي بينما غيره المتخاذل.. وقد حدث أن جاء للإمام الحسين عليه السلام بعد الصلح جماعة من الشيعة يريدون منه النهوض والتمرد على الحالة الجديدة، وإعلان الثورة لكن الإمام أفهمهم بأن ذلك غير صحيح.
* ثم إننا نلاحظ التقييم الصحيح غير الناشئ من العقد السابقة أو الانتماء العقيدي، فنحن نراها وهي في قمة جهادها ورفضها للحكم الأموي لا يمنعها ذلك من أن تمدح مثلا سفرتها إليه وأنها كانت ميسرة فيها ومرفهة. وإن كان ذلك لا يعني تغييرها لموقفها من الحكم الأموي.
* كذلك نلاحظ ذكرها للإمام أمير المؤمنين بعنوان الوصي، وهذا مهم في البحث العقائدي فإن ما عليه فئة من المسلمين من إنكار وصية النبي للإمام يعتبر غير صحيح، ولقد فهم الذين عاصروا النبي والإمام أمر الوصية.. وهذا النص يكتسب أهمية كبرى لجهة القائل والسامعين وتاريخ النص حيث أنه يرجع إلى حدود سنة 36 لهجرة النبي صلى الله عليه وآله ..
* كما يمكننا النص السابق من ملاحظة وعيها التام لطبيعة الصراع الدائر بين معاوية وأمير المؤمنين، وأن القضية ليست كما يزعم بعض (فطاحل) العلماء من أن ما شجر بين الأصحاب اجتهاد وأن كلا مصيب.. أو أن المسألة مطالبة معاوية بدم عثمان ورفض أمير المؤمنين تسليم قتلته، ها هي تقول: إن القضية استمرار للصراع السابق وإنما هي الأحقاد البدرية، والضغائن الأحدية، وقوم باعوا الآخرة بالدنيا.
* ويتجلى الموقف الرسالي في هذه الحركة فتقول أن الأمر بالنسبة ليس نزاعا على السلطة ولا طمعا في الولائم وإنما هو قضية الدين والخشية عليه، أتراها سمعت كلام أمير المؤمنين في الخطبة الشقشقية >لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها ولألفيتم دنياكم عندي أهون من عفطة عنز<؟ أو سمعت حديثه الآخر >اللهم إنك تعلم أنه لم يكن ما كان منا تنازعا في سلطان ولا التماسا لشيء من فضول الحطام
هامش
124 ) ابن طيفور، بلاغات النساء.