تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نساء حول أهل البيت — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
تلك الجبهة والفئة المحقة فالانتماء موقف، ولا بد في هذه الحياة من الانتماء إلى جهة الحق والرسالة وإلا كان المرء منتمياً بنحو طبيعي إلى معسكر الباطل والعبثية، ولا توجد منطقة متوسطة بينهما فـ{مَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ}؟ وأخيرا الوعي بالمسؤوليات المترتبة على ذلك الانتماء، من الدعوة إليه والتبشير به وإبلاغ رسالته وإيصال صوته إلى الدفاع بكافة أشكاله، وبحسب المواقع التي يحتاجها في الدفاع، وحسب القدرة المتوفرة للمنتمي. لقد وجدنا حالات كثيرة، ونماذج متعددة لمؤمنات استطعن الدفاع عن معسكر الحق في زمن السلم كما قاموا بذلك في زمان الحرب. وبالرغم من أن الصورة النمطية للمرأة في جبهات القتال لا تعجب الكثيرين إذ يتبادر إلى الذهن ما نراه في الوقت الحاضر من صور غير مشرفة، أو في الزمن الماضي من تجاوزات لدور المرأة الحقيقي إلا أن ذلك هو جزء من الصورة، وهناك جزء آخر مشرق شديد التأثير هو ما نقرؤه في التاريخ الإسلامي عن مجاهدات بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله ، سواء في المعركة كأم عمارة، أو معبئات للحماس، والنشاط القتالي كما وجدنا في حرب صفين أمام أمير المؤمنين عليه السلام . وبين أيدينا نموذج لمجاهدة مارست الأمرين في دفاعها عن القائد الرسالي والخط الإيماني المتمثل في أمير المؤمنين عليه السلام في حياته وبعد شهادته. سوف نحاول أن نتعرف على شخصيتها من خلال كلامها، وذلك أن الكلام مرآة الثقافة والوعي، والوعي هو الذي يصنع الموقف الخارجي عادة، خصوصاً إذا كان هذا الكلام والخطاب في مكان لا محل فيه للتبجح والافتخار، كميدان المعركة. سوف يظهر لنا من خلال التأمل الدقيق الذي أدعو إليه عزيزي القارئ أن ما قد ألقي في روع نساء مجتمعنا من الانكفاء والانسحاب والسلبية، ليس كما ينبغي فهذه لبؤة مؤمنة تزأر في ميدان المعركة مدافعة عن أمير المؤمنين منطلقة في كلماتها من وعي عقائدي عال، ومن معرفة سياسية ناضجة. فهلم معي لتشهد الموقف الذي وقفته أمام معاوية بن أبي سفيان بعد شهادة أمير المؤمنين عليه السلام ، حيث الدنيا قد بسطت رداءها له، وتفرق عن الإمام الحسن عليه السلام أنصاره وأتباعه. وأراد معاوية ووزراؤه أن (يتلهوا) باستقدام النساء المؤمنات المجاهدات، وإخافتهن بعدما استشهد أمير المؤمنين عليه السلام ، وصار الإمام الحسن في موقع المحكوم. وهو في ذلك يريد تحقيق فوائد مختلفة، فإن استقدام هذه النسوة من أماكنهن البعيدة كالكوفة، وهن لا يعلمن ما المراد من ذلك يجعلهن ويجعل أهاليهن وقبائلهن نهبة الأوهام وفريسة القلق، وهذا أسلوب يعتمده البعض من الحاكمين أن يبقي الإنسان في دائرة المجهول فلا يعرف ما المراد منه، وما الذي سيجري عليه، فإذا طال به الزمان على هذا الحال ضعفت معنوياته