ينبغي أن يكون في البصيرة الواضحة وقد كان رشيد نافذ البصيرة ثاقبها.
وكان ذلك هو الدرس الثاني الذي تعلمته من أبيها، فأعانها على مواجهة المشاكل، لا يهم ما الذي يحيط بالمرء من ظروف صعبة إذا كان (يضرب ببصره أقصى القوم) وكان (يعلم أنه لن يصيبه إلا ما قُسم له وكتب عليه).. وينتج عن هذا أن الجزع والخوف الذي يمنع الكثير من الناس من عمل الخير، والإقدام على الجهاد، سيتراجع تأثيره بل سينعدم.
وهذا هو نفسه الذي جعل رشيد يقدم على قدره في الشهادة من غير أن تكون قنواء بالنسبة له (مبخلة مجبنة)([111])، بل كانت مصداق {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}([112]).
( ( ( (
تلك التربية أنتجت قنواء الصابرة التي ستواجه المستقبل برباطة جأش، من دون أن يؤثر فيها علمها بشهادة أبيها القادمة قريبا، على نحو سلبي، بل ولا يؤثر فيه علمها ذلك، فلن تجزع أو تقف مانعا له عن أداء رسالته بزعم الخوف على حياته، وأنها سوف تثكل به ولا والي لها أو كفيل.. فلا هي تأثرت سلباً بذلك العلم ولا هو تأثر كذلك. ها هي تتحدث عن معرفتها كمعرفته بكيفية الشهادة، ويلاحظ أن هذه الكيفية فيها من الهول ما لو تصوره إنسان في غير مثال رشيد وابنته ونظرائهما لفارق النوم عينيه حتى ليموت بعضهم من تصور الموقف قبل حدوثه.. ألم أقل لك، عزيزي القارئ، هذا نمط في التربية يؤدي إلى مستوى عال من التعامل مع المشاكل.. لنستمع إلى قنواء وهي تتحدث:
سمعت من أبي يقول: قال: حدثني أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا رشيد كيف صبرك إذا أرسل إليك دعي بني أمية فقطع يديك ورجليك ولسانك؟
فقلت: يا أمير المؤمنين آخر ذلك الجنة!!
قال: بلى يا رشيد أنت معي في الدنيا والآخرة.
قالت قنواء: فوالله ما ذهبت الأيام حتى أرسل إليه الدعي عبيدالله
هامش
111 ) مفاد أحاديث متعددة أن الولد فتنة، وأنه منحلة أو مبخلة ومحزنة، أي محل لإثارة الحزن والبخل والجبن، وهذا صحيح بحسب الطبع الأولي العاطفي، إلا أن يتغلب الجانب الإيماني عند المرء، فيتعالى شعوره بالواجب والإحساس الديني على حزنه الشخصي وحرصه وتردده وخوفه على أبنائه. أو أن يكون الولد نفسه واعياً لمقدار الواجب وأهميته فحينئذ هو الذي يشجع أباه على المضي.
112 ) سورة الصافات آية 102.