الخير، ينصحهما ويقبل نصحهما وينفعهما وينتفع بهما، وهو >ريحانة من رياحين الجنة< كما عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهو >أجمل الذِّكرين<([106]).
ونموذج آخر هو الذي تحدثت عنه الآية، منسلخ عن عقائده، مغرور بنفسه، لا يكتفي بذلك بل يكون على أبويه وبالا في دنياهما، وعارا بعدهما، وهما يستغيثان الله منه، فهو >يهدم الشرف، ويشين السلف، ويفسد الخلف<([107])، وفي أقل التقادير فهو على غير طريق الهدى وفي سفينة الهلاك، ونتيجته أن {حَالَ بَيْنَهُمَا المَوْجُ فَكَانَ مِنَ المُغْرَقِينَ}.
وإذا كان هذا النموذج موجودا في صفحات التاريخ، ينتج ما ينتج من هدم وشين وفساد، كما حصل لعبد الله بن الزبير، فإن النموذج الآخر ليس بالقليل، بل إننا نجد مطالع نور، وكواكب هداية، وحججاً على الباقي هم الذرية الطيبة، وقرة الأعين، وميراث الله عز وجل من عباده المؤمنين.
بنت عبد الله بن عفيف التي أعانت أباها في مواجهته لأزلام الأمويين الذين جاؤوا لقتال أبيها وهي تدافع عنه، وترشده في القتال إذ كان كفيف البصر.
وفي طليعة القائمة قنواء بنت رشيد الهجري. تلميذة نجيبة لعالم، يكفيه أنه تلميذ أمير المؤمنين عليه السلام ، حيث علّمه >البلايا والمنايا<([108]). رأى فيها أبوها امتدادا رساليا له، ولخطه، فقام بتربيتها على أسس تمكنها من مواجهة المشاكل المستقبلية.
* يا بنية أميتي الحديث بالكتمان واجعلي القلب مسكن الأمانة([109]): أول وصية أوصاها بها أبوها.. وأول قاعدة في الجهاد والعمل الرسالي، فكم من الجهود ضاعت على أثر انفراط حبل السرية والكتمان، وكم من الخطط فسدت تبعا لانكشاف أمرها قبل ذلك فإن >إظهار الشيء قبل أن يستحكم مفسدة له<. وبالرغم من توصيات المعصومين على التقية والتكتم باعتبارها استراتيجية في العمل، إلا أن
هامش
106 ) الري شهري، محمد، ميزان الحكمة ج10.
107 ) الري شهري، محمد، ميزان الحكمة ج10 عن أمير المؤمنين عليه السلام.
108 ) هذا اللفظ يتكرر في ترجمة رشيد الهجري، وعدد آخر من خلص الأصحاب أن أمير المؤمنين عليه السلام قد علمهم علم البلايا والمنايا، ولا نعلم تفاصيل ذلك، فقد يكون الإمام عليه السلام قد علم هؤلاء الأصحاب القواعد الأساسية والسنن التاريخية التي تحكم مسيرة الأمة، وأن الأمة بناء على هذه السنن ستصل إلى تلك النهايات التي وصلت إليها، وقد يكون علمهم تفاصيل ما يجري مما علمه من رسول الله (، فإن رسول الله ( قد أخبر ببعض ما سيجري على الأمة حتى لعامة أصحابه فيما سمي بأخبار الملاحم والفتن، واختص أمير المؤمنين بإخباره عن جميع ذلك. فمن رأى منه أمير المؤمنين عليه السلام قابلية لحمل تلك العلوم ربما كان يفيض عليه من عنده.
109 ) المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، ج42 ص139.