بريق الظهور بمظهر العارف بالأمور، و(الشخص المهم) الذي يعرف القضايا المختلفة، يتغلب في كثير من الأحيان على مصالح العمل.
وإذا كانت الصورة الغالبة المعروفة للمرأة أنها لا تستطيع أن تستمسك على سر حتى تكشفه وتبديه، فإن هذه الصورة ليست هي النهائية، فإننا قد وجدنا نساء قد أئتمن على أشياء خطيرة وأسرار عزيزة وبقيت في مستقرها (ميتة في القلب). فهذه أخت محمد بن أبي عمير (من خلص أصحاب الكاظم والرضا عليه السلام) قد ائتمنها أخوها على كتبه حين سجنه أربع سنين، فقامت ودفنتها في الأرض عندما هم الحاكمون بتفتيش بيتها. وبقي خبرها مستورا إلى أن خرج أخوها من السجن.
كان هذا هو الأساس الأول الذي تعلمته قنواء من أبيها، ولا يعني ذلك أنها لا تظهر فكر أهل البيت أو أنها تنكفئ على نفسها، وإنما ينبغي التمييز بين الإرشاد والتبليغ والذي هو واجب، ونشر الفكر الديني، وبين التحفظ على ما لو ظهر لكان ضارا أو ضرره أكثر من نفعه.
* الوعي أساس الإيمان: تقول قنواء: قلت لأبي: ما أشد اجتهادك قال: يا بنية يأتي قوم بعدنا بصائرهم في دينهم أفضل من اجتهادنا([110]).
يتصور البعض أن المشكلة في مجتمعاتنا هي مشكلة (دينية) بالمعنى الضيق للكلمة، وهو وهم، إنما المشكلة الحقيقية هي مشكلة الوعي، فلو كان الوعي موجودا لكان الإيمان مرافقاً له، ولو كانت البصيرة لما حدثت المشاكل الدينية حتى عند المتدينين أنفسهم، ولذلك كان تأكيد القرآن الكريم {أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي}.
التخبط الذي نراه في بعض المجتمعات الدينية، بالرغم من تمسكها الظاهري بأهداب الدين، لا تفسير له إلا تشوش الرؤية، وانعدام البصيرة. وقلة المعرفة وهذا الدرس لو حفظته الأمة لما حصل هذا التخبط الذي نراه في مختلف بلادنا.
ولعمري.. هذه المقارنة الرائعة من قبل رشيد الهجري، بين البصائر وبين الاجتهاد (في العبادة والعمل والتحمل)، وأنهم وإن كانوا على شيء كبير من الاجتهاد العبادي والعملي إلا أن من يأتي ويكون لديه الاجتهاد النظري، والمعرفة العلمية، ووضوح الرؤية يكون إيمانه أفضل. ولعل رشيداً ( لا يريد تأكيد المفاضلة، بقدر ما يريد أن يبين أهمية البصيرة ووضوح الرؤية، والمعرفة.
نعم نظرت قنواء إلى اجتهاد أبيها في عبادته، وعمله، فأشفقت عليه وتعجبت من ذلك بل أعجبت به، فقال لها إن محل الإعجاب
هامش
110 ) المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، ج42 ص139.