أصبح نديمك أقداحا يسلسلها
من الشّمول [ 1 ] وأتبعها بأقداح
من كفّ ريم مليح الدّلّ ريقته
بعد الهجوع كمسك أو كتفّاح
لا أشرب الرّاح إلا من يدي رشأ
تقبيل راحته أشهى من الرّاح
فضحك وقال : صدقت واللَّه ، ثم دعا بوصيفة كأنها صورة ، تامّة الحسن لطيفة الخصر في زيّ غلام عليها أقبية [ 2 ] ومنطقة ، فقال لها : تولَّى سقي أبي محمد ؛ فما زالت تسقيه حتى سكر ؛ ثم أمر بتوجيهها وكلّ مالها في داره إليه ، فحملت معه .
كانت بينه وبين زهراء الكلابية مودة فكتبت إليه شعرا فرد عليها :
أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللَّه بن أبي سعد قال حدّثني عليّ بن الصّبّاح قال :
/ كانت امرأة من بني كلاب يقال لها زهراء تحدّث إسحاق وتناشده ، وكانت تميل إليه ، وتكني عنه في عشيرتها إذا ذكرته بجمل ؛ قال : فحدّثني إسحاق أنها كتبت إليه وقد غابت عنه تقول :
وجدي بجمل على أنّي أحمجمه [ 3 ]
وجد السّقيم ببرء بعد إدناف
أو وجد ثكلى أصاب الموت واحدها
أو وجد مغترب من بين ألَّاف
قال : فأجبتها :
أقر السلام على الزّهراء إذ شحطت
وقل لها قد أذقت القلب ما خافا
أما رثيت لمن خلَّفت مكتئبا
يذري مدامعه سحّا وتوكافا [ 4 ]
فما وجدت على إلف أفارقه
وجدي عليك وقد فارقت ألَّافا
أنشد محمد بن عبد اللَّه بن مالك شعرا فسأله عن قصته فلم يخبره :
أخبرني عمّي قال حدّثني عبد اللَّه بن أبي سعد قال حدّثني محمد بن عبد اللَّه بن مالك قال / أنشدني إسحاق لنفسه :
سقى اللَّه يوم الماوشان [ 5 ] ومجلسا
به كان أحلى عندنا من جنى النّحل
غداة اجتنينا اللَّهو غضّا ولم نبل [ 6 ]
حجاب أبي نصر ولا غضبة الفضل
هامش
[ 1 ] الشمول : الخمر .
[ 2 ] الأقبية : ( جمع قباء بالفتح ) وهو ثوب يلبس فوق الثياب ، وقيل : ثوب يلبس فوق القميص ويتمنطق عليه .
[ 3 ] أجمجمه : أكتمه وأخفيه .
[ 4 ] يقال : وكف الدمع توكافا ، إذا سال وقطر قليلا قليلا .
[ 5 ] كذا في ح و « معجم البلدان » لياقوت ، وهو ناحية وقرى ، في واد في سفح جبل أروند من همذان ، وهو موضع نزه فرح . وفي سائر الأصول « الماوسان » بالسين المهملة ، وهو تصحيف .
[ 6 ] لم نبل : أصله نبالي ، حذف حرف العلة للجازم ثم سكنت اللام للتخفيف ، كما حذفت النون في « لم نك » بعد تسكينها ، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين .