قال لي أبي وقد انصرف من دار الرشيد : رأيت الأمير جعفر بن يحيى يستبطئك ويقول : لست أراه ولا يغشاني ؛ فقلت : إني لآتيه كثيرا فأحجب عنه ويصرفني نافذ حاجبه ويقول : هو على شغل ؛ قال : فبلَّغه أبي ذلك ؛ فقال له : قل له : أنكه أمّه إذا فعل ؛ فأقمت أيّاما ثم كتبت إليه :
جعلت فداءك من كل سوء
إلى حسن رأيك أشكو أناسا
يحولون بيني وبين السلام
فلست أسلَّم إلَّا اختلاسا
وأنفذت أمرك في نافذ
فما زاده ذاك إلَّا شماسا [ 1 ]
وقد أخبرني الخبر محمد بن مزيد عن حمّاد عن أبيه ، فذكر مثله وقال : كان خادم يحجبه يقال له : نافذ ، فقال : إذا حجبك فنكه ؛ فلما كتبت إليه بهذه الأبيات بعث فأحضرني ؛ فلما دخلت إليه أحضر نافذا وقرأ الأبيات عليه ، وقال لي : أفعلتها / يا عدوّ اللَّه ! فغضب نافذ حتى كاد يبكي ، وجعل جعفر يضحك ويصفّق ؛ ثم ما عاد بعد ذلك يتعرّض لي .
غضب المأمون عليه وشك أبي الفرج في ذلك :
حدّثني الحسين [ 2 ] بن أبي طالب قال حدّثني عبيد اللَّه بن المأمون ، وأخبرنا اليزيديّ عن عمّه عبيد اللَّه عن أبيه قال :
غضب المأمون على إسحاق بن إبراهيم ، ثم كلَّم فيه فرضي عنه ودعا به ؛ فلمّا وقف بين يديه اعتذر وقبّل الأرض بين يديه واستقاله [ 3 ] ؛ فأجابه المأمون جوابا جميلا ، ثم قال له في أثناء كلامه :
فلا أنت أعتبت من زلَّة
ولا أنت بالغت في المعذره
ولا أنت ولَّيتني أمرها
فأغفر ذنبك عن مقدره
هكذا في الخبر ؛ وأظنّه إسحاق بن إبراهيم الطاهريّ لا الموصليّ .
أنشد أبا الأشعث الأعرابيّ شعرا له فأعجب به :
أخبرنا الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الحسين بن أبي طالب قال حدّثني إسحاق قال :
أنشدت أبا الأشعث الأعرابيّ شعرا لي ، فقال : والذي أصوم له مخافته ورجاءه ، إنك لمن طراز ما رأيت بالعراق شيئا منه ، ولو كان شباب يشترى لاشتريته لك ولو بإحدى يديّ ، وإنّ في كبرك لما زان الجليس وسرّه .
حديث له مع زهراء الكلابية :
أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الدّيناريّ قال حدّثنا إسحاق قال :
قالت لي زهراء الكلابيّة : ما فعل عبد اللَّه بن خرداذبه ؟ فقلت : مات ؛ فقالت : غير ذميم ولا لئيم ، غفر اللَّه لصداه [ 4 ] ، لقد كان يحبّك ويعجبه ما سرّك . قال : فقلت لزهراء : حدّثيني عن قول الشاعر :
هامش
[ 1 ] شماسا : عنادا .
[ 2 ] كذا في ح . وفي سائر الأصول : « الحسن » . ( راجع الحاشية رقم 2 ص 319 من هذا الجزء ) .
[ 3 ] استقاله : طلب منه أن يقيله .
[ 4 ] الصدى : جسد الإنسان بعد موته .