إن تشنج المنصور العباسي حتى كان قد عزم على أن يقتل وصي الإمام جعفر الصادق لولا أن الإمام قد احتاط لذلك بتدبير، وتقلب المهدي العباسي، وشراسة موسى الهادي، وخبث ومكر هارون الرشيد، كل ذلك كان يحتاج إلى كظم الغيظ والتفكير بهدوء في إدارة المعركة مع هذه السلطات الظالمة، لأجل استمرار دور الإمامة في عملها مع المؤمنين.
نعم لا شك أن كظم الغيظ ـ كصفة أخلاقية في التعامل ـ مطلوب من جميع المؤمنين، وقد ورد فيه أحاديث كثيرة منها ما عن رسول الله صلى الله عليه وآله: (من كظم غيظا وهو قادر على إنفاذه وحلم عنه، أعطاه الله أجر شهيد)[184]وفي رواية أخرى عنه صلى الله عليه وآله: (من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء) [185]ومنها ما عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) : « من كظم غيظا، وهو يقدر على إمضائه، حشا الله قلبه أمنا وإيمانا يوم القيامة ».
وينبغي أن يكون كظم الغيظ هو البوصلة التي تحدد اتجاه التعامل بين الناس، بين الوالد وولده، وبين الزوج وزوجته، وبين رب العمل وعماله، وهكذا..
ولا ريب في أن هذه الطريقة لها أكبر الأثر الايجابي في تصحيح علاقات المؤمنين بعضهم ببعض.
إلا أن الشيء الأهم والأكثر آثارا ونتائج هو كظم الغيظ في المجال السياسي، فقد لاحظنا أن حروبا من الممكن أن تقوم وتخلف القتلى والجرحى وتنهك البلاد والعباد كان من الممكن تجاوزها لو تم السيطرة عليها بكظم الغيظ وتجنب تأثيرات حالة الانتقام وسيطرة عقلية الثأر!
وفي زمان الإمام الكاظم عليه السلام كان معظم الخلفاء قد أخذتهم زهوة السلطة، والشعور بالقوة، والاستمتاع بإخضاع المخالفين[186]وكان في بعضهم من بذاءة اللسان وقذارته ما يستفز الحليم ويثير العاقل، والغريب أن مثل هؤلاء إذا صدر منهم بذاءة وقذارة لسان ورُدّ عليهم في ذلك لا يفيقون أو ينتبهون إلى خطئهم وأنه كان غير مناسب أن يقولوا مثل ذلك! بل تأخذهم العزة بالإثم ويتخذون موقفا بالعقوبة أسوأ!
فانظر إلى ما ذكره الطبري [187]عن بذاءة المنصور العباسي وقذارة لسانه في حق بني عمومته (بني الحسن)وهو الذي بايعهم من قبل أن يسيطر العباسيون على الخلافة، قال: " لم يزل أبو جعفر جميل الرأي في محمد حتى قال له رياح[188] يا أمير المؤمنين أما أهل خراسان فشيعتك وأنصارك وأما أهل العراق فشيعة آل أبي طالب... فوقعت في نفس أبي جعفر فلما حج دخل عليه محمد فقال يا محمد أليس ابنتك تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن قال بلى ولا عهد لي به إلا بمنى في سنة كذا وكذا قال فهل رأيت ابنتك تختضب وتمتشط؟ قال: نعم! قال: فهي إذًا زانية! قال: مه يا أمير المؤمنين أتقول هذا لابنة عمك قال يا ابن اللخناء (الزانية)قال أي أمهاتي تلخن قال يا ابن الفاعلة [189]ثم ضرب وجهه بالجرز(آلة حديدية)وحدره"
هامش
184 ) الصدوق: الأمالي ٥١٦
185 ) السيوطي، جلال الدين: الدر المنثور في التفسير بالمأثور2/ ٧٣
186 ) ابن عساكر، أبو القاسم: تاريخ دمشق لابن عساكر ٣٢/٣٣١: قال عبد الصمد بن علي للمنصور (العباسي): يا أمير المؤمنين لقد هجمت بالعقوبة حتى كأنك لم تسمع بالعفو! قال: لأن بني مروان لم تبلَ رممُهم وآل أبي طالب لم تُغمَد سيوفهم ونحن بين قوم قد رأونا أمس سوَقة واليوم خلفاء فليس تتمهد هيبتنا في صدورهم إلا بنسيان العفو واستعمال العقوبة..
187 ) الطبري، محمد بن جرير: تاريخ الطبري ٦ /١٧٦
188 ) رياح بن عثمان المري: واليه على المدينة وهو الذي أغرى المنصور العباسي بأن أرسل رسولاً إلى أحد وزراء أبي جعفر المنصور يقول له قد بلغني أمر محمد وإبراهيم وإدهان الولاة في أمرهما وإن ولّاني أمير المؤمنين المدينة ضمنت له أحدهما.. فولاه المدينة.. وكان بذيء اللسان على المنبر كسيده المنصور.
189 ) انظر في سطرين من الكلمات لقد قذف المحصنات المؤمنات الغافلات ثلاث مرات، وكل قذف من ذلك يستوجب حدا شرعيا! وهذا هو نفسه الذي يزعم كاذبا في مقالته لمالك بن أنس أنه لم يبق أحد أعلم على وجه الأرض من مالك ومنه أي المنصور!! قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 8 / 111 وابن خلدون في مقدمته 18 إن المنصور أحضر مالك بن أنس وقال له: «لم يبق على وجه الأرض أعلم مني ومنك! وإني قد شغلتني الخلافة، فضع أنت للناس كتاباً ينتفعون به، تجنب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر ووطئه للناس توطئة. قال مالك: فوالله لقد علمني التصنيف يومئذ»!