وتكامل نقماته، وأوصيك ونفسي بتقوى الله فإنها زين الكلام وتثبيت النعم، أتاني كتابك تذكر فيه أني مدع وأبي من قبل، وما سمعت ذلك مني وستكتب شهادتهم ويسألون ولم يدع حرص الدنيا ومطالبها لأهلها مطلبا لآخرتهم، حتى يفسد عليهم مطلب آخرتهم في دنياهم وذكرت أني ثبطت الناس عنك لرغبتي فيما في يديك وما منعني من مدخلك الذي أنت فيه لو كنت راغبا ضعف عن سنة ولا قلة بصيرة بحجة ولكن الله تبارك وتعالى خلق الناس أمشاجا وغرائب وغرائز، فأخبرني عن حرفين أسألك عنهما ما العترف في بدنك وما الصهلج في الانسان، ثم اكتب إلي بخبر ذلك وأنا متقدم إليك أحذرك معصية الخليفة وأحثك على بره وطاعته وأن تطلب لنفسك أمانا قبل ان تأخذك الأظفار ويلزمك
الخناق من كل مكان، فتروح إلى النفس من كل مكان ولا تجده، حتى يمن الله عليك بمنه وفضله ورقة الخليفة أبقاه الله فيؤمنك ويرحمك ويحفظ فيك أرحام رسول الله (وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى)
قال الجعفري: فبلغني أن كتاب موسى بن جعفر عليه السلام وقع في يدي هارون فلما قرأه قال: الناس يحملوني على موسى بن جعفر وهو بريء مما يرمى به"[192].
ولا يعني هذا أنه لم يكن يتعاطف مع الحركات الثورية المخلصة المعارضة للسلطة الظالمة، ولكنه لم يكن يرى أن يصطدم مع هذه الدولة الجبارة في قوتها والتي سوف تحشد كل تلك القوة في مواجهة من يعارضها، بل إنها كانت تتمنى الاصطدام وتتحين الفرص لذلك، لأنه يمكنها من القضاء على القوة المنافسة في ميدان هي الأقوى فيه. أما ميدان العلم والتبليغ ونشر العقيدة الصحيحة والاستقامة على المنهج فهي فيه الأضعف.
إننا رأينا أن الإمام عليه السلام مع تعاطفه القلبي الذي لم يكن يخفى حتى على يحيى بن عبد الله (إن تمت الرواية السابقة وليس ذلك بعيدا)[193]حتى أنه أشار إليه في رسالته للإمام، وتعاطفه المشهور مع الحسين بن علي بن الحسن المثلث شهيد فخ، حتى إنه " لما خرج الحسين بن علي المقتول بفخ واحتوى على المدينة، دعا موسى بن جعفر إلى البيعة، فأتاه فقال له: يا ابن عم لا تكلفني ما كلف ابن عمِّك عمَّك أبا عبد الله فيخرج مني ما لا أريد كما خرج من أبي عبد الله ما لم يكن يريد، فقال له الحسين: إنما عرضت عليك أمرا فإن أردته دخلت فيه، وإن كرهته لم أحملك عليه والله المستعان، ثم ودعه، فقال له أبو الحسن موسى بن جعفر حين ودعه يا ابن عم إنك مقتول فأجد الضراب فإن
القوم فساق يظهرون إيمانا ويسترون شركا وإنا لله وإنا إليه راجعون، أحتسبكم عند الله من عصبة، ثم خرج الحسين وكان من أمره ما كان، قتلوا كلهم كما قال عليه السلام ".[194]
ولو نظرنا إلى ظروف بعض هذه الحركات الثورية لرأينا أن السلطة العباسية مارست معهم الاستفزاز في صوره المختلفة من شتم الآباء واتهام النساء العفيفات بالزنا والاهانة والتنكيل بأهل الشرف والمنزلة من العلويين والإيذاء بمختلف صوره حتى يرفضوا ذلك وينهضوا في وجه العباسيين فإذا فعلوا ذلك قالوا بصراحة لهم: الآن حل لنا دمكم!!
هامش
192 ) الكليني: الكافي١/ ٤١٤
193 ) بل قد نقل الاصفهاني في مقاتل الطالبيين ١/٣٨٣ ما هو أكثر من ذلك؛ فقال راويا عن بعضهم " سمعت الحسين بن علي، ويحيى بن عبد الله يقولان: ما خرجنا حتى شاورنا أهل بيتنا، وشاورنا موسى بن جعفر فأمرنا بالخروج.." ، وللحديث عن طبيعة علاقة بني الإمام الحسن المجتبى عليه السلام بالأئمة مجال غير هذا قد نتعرض إليه بالتفصيل.
194 ) المصدر نفسه ٤١٥