بمظهر سائر العلماء وأنه لا يتميز عليهم بميزة فعنده علم أشياء وقد تغيب عن علمه سائر الأشياء. وإن أجاب على ما هو المقصود استفاد من اجابته من دون أن يرتب على ذلك أثرا أكبر كالإقرار بتفوقه على سائر العلماء أو توليته منصبا عاليا هو جدير به بل لا يسوّى حتى بمن كان أصغر منه![128]
فقد نقل الكليني بسنده عن علي بن يقطين قال: سأل المهدي أبا الحسن عليه السلام عن الخمر هل هي محرّمة في كتاب اللّه عز وجل؟ فإن الناس إنما يعرفون النهي عنها ولا يعرفون التحريم لها فقال له أبو الحسن عليه
السلام: بل هي محرّمة في كتاب اللّه عز وجل يا أمير المؤمنين، فقال له: في أي موضع هي محرّمة في كتاب اللّه
جلّ اسمه يا أبا الحسن.
فقال: قول اللّه عز وجل: «قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ» فأما قوله: «ما ظَهَرَ مِنْها» يعني الزنا المعلن ونصب الرايات التي كانت ترفعها الفواجر للفواحش في الجاهلية وأما قوله عز وجل:
«وَما بَطَنَ» يعني ما نكح من الآباء لأن الناس كانوا قبل أن يبعث النبي صلّى اللّه عليه وآله إذا كان للرّجل زوجة ومات عنها تزوجها ابنه من بعده إذا لم تكن أمه فحرّم اللّه عز وجل ذلك.
وأما الإثم فإنها الخمرة بعينها وقد قال اللّه عز وجل في موضع آخر: « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ » فأما الإثم[129]في كتاب اللّه فهي الخمرة والميسر وإثمهما أكبر كما قال اللّه تعالى، قال: فقال المهدي: يا علي بن يقطين هذه واللّه فتوى هاشمية![130]
ومن ذلك ما روي عن الحسن بن علي بن النعمان، قال: لما بنى المهدي في المسجد الحرام بقيت دار في تربيع المسجد، فطلبها من أربابها فامتنعوا، فسأل عن ذلك الفقهاء فكل قال له: انه لا ينبغي ان يدخل شيئا في المسجد الحرام غصبا فقال له علي بن يقطين:
يا أمير المؤمنين لو كتبت إلى موسى بن جعفر عليه السلام لأخبرك بوجه الامر في ذلك.
فكتب إلى والي المدينة ان يسأل موسى بن جعفر عن دار أردنا ان ندخلها في المسجد الحرام فامتنع علينا صاحبها فكيف المخرج من ذلك؟ فقال: ذلك لأبي الحسن عليه السلام، فقال أبو الحسن عليه السلام: ولا بدّ من الجواب في هذا، فقال له: الامر لا بد منه.
فقال له: اكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم ان كانت الكعبة هي النازلة بالناس فالناس أولى بفنائها، وان كان الناس هم النازلون بفناء الكعبة فالكعبة أولى بفنائها فلما أتى الكتاب إلى المهدي اخذ الكتاب فقبله ثم أمر بهدم الدار فأتى أهل الدار أبا الحسن عليه السلام فسألوه ان يكتب لهم إلى المهدي كتابا في ثمن دارهم فكتب إليه ان أرضخ لهم شيئا فأرضاهم.[131]
2/ وبمقدار ما كان الإمام عليه السلام مشغولا بتوضيح المنهج الصحيح من خلال بيان العقائد الصحيحة والأحكام الشرعية المستندة إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله، فقد واصل منهج أبيه الإمام جعفر الصادق عليه السلام في مواجهة المناهج البشرية في فهم الأحكام العبادية، والتي تستند إلى القياس وفيما بعد إلى الاستحسان وما شابه ذلك في
هامش
128 ) وما ينقل عن المأمون في حواره مع أبيه لما جاء الامام موسى بن جعفر ما يشهد لذلك.
129 ) ولعله يمكن تفسير مقالة الإمام بنحوين: الأول أن آية فيهما إثم كبير هو بمثابة الموضوع، والآية الأخرى: إنما حرم ربي الفواحش.. والاثم) هي الحكم فبجمعهما ينتج أن الله حرم الخمر التي هي الاثم. والنحو الثاني: ـ على احتمال ـ أن يكون الآية المباركة: قل فيهما: إثم كبير، كما تقول في شيء إنه حلال أو حرام، وهذا غير الوجه المعروف من أن المقصود أن يقول بأن فيهما إثما كبيرا..
130 ) عطاردي، مسند الإمام الكاظم 1/ ٦٤
131 ) الكاشاني، محسن الفيض: الوافي 18/ ٥٣٩