يعذب عبده بما لم يكتسبه، وإما أن تكون من الله عز وجل ومن العبد، فلا ينبغي للشريك القوي أن يظلم الشريك الضعيف، وإما أن تكون من العبد وهي منه، فإن عاقبه الله فبذنبه، وإن عفا عنه فبكرمه وجوده".[121]
2/ وأوضح منه في تصديه ما نقل من محاورته مع اليهود كما رواها الإمام علي الرضا عن أبيه موسى بن جعفر عليهم السلام قال: كنت عند (والدي)أبي عبد اللّه عليه السلام ذات يوم وأنا طفل خماسي إذ دخل عليه نفر من اليهود فقالوا: أنت ابن محمد نبيّ هذه الأمة والحجّة على أهل الأرض قال لهم: نعم. قالوا: انا نجد في التوراة ان اللّه تبارك وتعالى أتى إبراهيم عليه السلام وولده الكتاب والحكم والنبوة وجعل لهم الملك والإمامة وهكذا وجدنا ذريّة الأنبياء لا تتعدّاهم النبوة والخلافة والوصيّة فما بالكم قد تعداكم ذلك وثبت في غيركم ونلقاكم مستضعفين مقهورين لا يرقب فيكم ذمّة نبيّكم.
فدمعت عينا أبي عبد اللّه عليه السلام ثم قال: نعم لم تزل امناء اللّه مضطهدة مقهورة مقتولة بغير حق والظلمة غالبة وقليل من عباد اللّه الشكور، قالوا: فان الأنبياء وأولادهم علموا من غير تعليم وأوتوا العلم تلقينا وذلك ينبغي لأئمتهم وخلفائهم وأوصيائهم فهل أوتيتم ذلك فقال أبو عبد اللّه عليه السلام: ادنه يا موسى فدنوت فمسح يده على صدري ثم قال: اللهم أيده بنصرك بحق محمد وآله.
ثم قال: سلوه عما بدا لكم قالوا: وكيف نسأل طفلا ولا يفقه قلت: سلوني تفقها ودعوا العنت قالوا: أخبرنا عن الآيات التسع التي أوتيها موسى بن عمران قلت: العصا واخراجه يده في جيبه بيضاء والجراد والقمل والضفادع والدّم ورفع الطور والمنّ والسلوى آية واحدة وفلق البحر قالوا: صدقت فما أعطي نبيّكم من الآيات التي نفت الشك عن قلوب من أرسل إليه قلت: آيات كثيرة اعدّها ان شاء اللّه فاسمعوا وعوا وافقهوا.
أمّا أول ذلك فأنتم تقرّون انّ الجنّ كانوا يسترقون السمع قبل مبعثه فمنعت من أوان رسالته بالرجوم وانفضاض النجوم وبطلان الكهنة والسحر.
ومن ذلك كلام الذئب يخبر بنبوّته واجماع العدوّ والموالي على صدق لهجته وصدق أمانته وعدم جهله أيام طفوليته وحين ايفع وفتأ وكهل لا يعرف له شكل ولا يواريه مثل.
ومن ذلك ان سيف بن ذي يزن حين ظفر بالحبشة وفد عليه مثل وفد قريش فيهم عبد المطلب فسألهم عنه ووصف لهم صفته فأقرّوا جميعًا بان هذه الصفة في محمد صلى اللّه عليه وآله فقال: هذا أوان مبعثه ومستقره ارض يثرب وموته بها.
ومن ذلك أبرهة بن يكسوم قاد الفيلة إلى بيت اللّه الحرام لهدمه قبل مبعثه فقال عبد المطلب: ان لهذا البيت ربّا يمنعه ثم جمع أهل مكة فدعا وهذا بعد ما اخبره سيف بن ذي يزن فأرسل اللّه تبارك وتعالى عليهم طيرا أبابيل ودفعهم عن مكّة وأهلها[122]... واستمر يذكر لهم من معاجز وكرامات رسول الله 29 موردا آخرها القرآن الكريم.. فقام الإمام الصادق إليه وقبّل بين عينيه قائلا: أنت القائم من بعدي.
هامش
121 ) الشيخ الصدوق الأمالي - الصفحة ٤٩٥، وقد نقلها ابن حمزة الطوسي في ثاقب المناقب / 171 ببعض الاختلاف، فقال: اشتهر عند الخاص والعام من حديث أبي حنيفة حين دخل دار الصادق عليه السلام فرأى موسي عليه السلام في دهليز داره وهو صبي، فقال في نفسه: ان هؤلاء يزعمون أنهم يعطون العلم صبية وأنا أسبر ذلك، فقال له: يا غلام إذا دخل الغريب بلدة، اين يحدث، فنظر اليه نظر مغضب، وقال: يا شيخ أسأت الأدب، فأين السلام؟
قال: فخجلت ورجعت حتي خرجت من الدار وقد نبل في عيني، ثم رجعت اليه وسلمت عليه، وقلت: يا ابن رسول الله، الغريب اذا دخل بلدة اين يحدث، فقال صلوات الله عليه: يتوقى شطوط البلد، ومشارع الماء، وفيء النزال، ومسقط الثمار، وافنية الدور، وجادّ الطرق، ومجاري المياه ورواكدها، ثم يحدث اين شاء، قال: قلت: يا ابن رسول الله ممن المعصية، فنظر الي وقال: اما أن تكون من الله أو من العبد أو منهما معا، فان كانت من الله فهو أكرم أن يؤاخذه بما لم يجنه، وان كانت منهما فهو أعدل من أن يأخذ العبد بما هو شريك فيه، فلم يبق الا أن يكون من العبد، فان عفا فبفضله، وان عاقب فبعد له.
122 ) عطاردي، الشيخ عزيز الله: مسند الإمام الكاظم ٢/ ١٦١