الحسن إنّي رأيت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في النوم يقرأ عليّ كذا فتؤمنني أن تخرج عليّ أو على أحد من ولدي[31]؟
فقال: واللّه لا فعلت ذاك ولا هو من شأني، قال: صدقت. يا ربيع أعطه ثلاثة آلاف دينار وردّه إلى أهله إلى المدينة.
قال الربيع: فأحكمت أمره ليلا فما أصبح إلّا وهو في الطريق خوف العوائق.[32]
ويظهر أن هذا كان أول سجن للإمام عليه السلام!
وكان الإمام موسى الكاظم عليه السلام قد أخبر أصحابه أنه لا يُخشى عليه من القتل في هذه السفرة، سواء كان ذلك العلم الذي أخبرهم به من جملة العلوم الخاصة الغيبية التي زود الله الأئمة بها ـ كما يظهر من ذيل الخبر الآتي ـ، أو كان بحسب تحليله ورؤيته للواقع آنئذ ومعرفته بشخصية المهدي العباسي، فقد روي عن أبي خالد الزبالي قال: قدم أبو الحسن موسى عليه السلام زبالة ومعه جماعة من أصحاب المهدي بعثهم المهدي في إشخاصه إليه، وأمرني بشراء حوائج له، ونظر إليّ وأنا مغموم فقال: يا أبا خالد مالي أراك مغموما؟ قلت: جعلت فداك هو ذا تصير إلى هذا الطاغية ولا آمنه عليك!
فقال: " يا أبا خالد، ليس على منه بأس، إذا كانت سنة كذا وكذا وشهر كذا وكذا فانتظرني في أول الميل، فإني أوافيك إن شاء الله ".
قال: فما كانت لي همة إلا إحصاء الشهور والأيام، فغدوت إلى أول الميل في اليوم الذي وعدني، فلم أزل انتظره إلى أن كادت الشمس أن تغيب فلم أر أحدا، فشككت فوقع في قلبي أمر عظيم، فنظرت قرب الميل فإذا سواد قد رفع،
قال: فانتظرته فوافاني أبو الحسن عليه السلام إمام القطار على بغلة له، فقال: " إيه يا أبا خالد " قلت: لبيك جعلت فداك قال: " لا تشكن، ود والله الشيطان أنك شككت!
قلت: قد كان والله ذلك جعلت فداك! قال: فسررت بتخليصه وقلت: الحمد الله الذي خلصك من الطاغية.
فقال: " يا أبا خالد، إن لهم إلي عودة لا أتخلص منهم "[33]
وهلك المهدي العباسي بعد عشر سنوات من حكمه، وفي الثانية والأربعين من عمره، مما يشير إلى أن ما رآه بعض المؤرخين من كونه قد مات بواسطة السم[34]، على يد إحدى جواريه أو ضمن أطر الصراع الداخلي على الحكم هو الأرجح ليخلفه في الحكم ابنه الأول موسى الهادي الذي يبدو أنه أعرب عن عزمه على سجن الإمام أو اغتياله بحيث كان هذا الأمر ليس ضمن كواليس الحكومة وإنما كان ظاهرا إلى الحد الذي وصل إلى الإمام عليه السلام من خلال
هامش
31 ) لاحظ المنطق الأعوج الذي يتعامل به الحاكمون! فالإمام عليه السلام هو المسجون والمأخوذ إلى بغداد قسرا من مدينة جده رسول الله! وفي المقابل يطلب منه الحاكم الذي بيده المال والسلاح، وأمر القتل عنده أهون من شربة الماء.. يطلب من الإمام أن يؤمنه!
32 ) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد وذيوله ط العلمية ١٣/٣٢ وحسنا فعل الحر العاملي رحمه الله حينما أورد المصادر الكثيرة الأخرى التي ذكرت هذه القصة وتتضمن رؤياه أمير المؤمنين عليه السلام، وإلا فإن الطبري في تاريخه قد أوردها كما لو كانت مكرمة من مكارم المهدي العباسي المصلي المتفكر في آيات الله والذي يفرج عن الإمام ببركات تدبره(!) في الآيات، وأنه خشي أن يكون قد قطع رحم الامام بسجنه إياه!! وكأن سجنه كان صلة رحم! وهدية! فانظر إلى رواية الطبري كيف جاءت هكذا: قالَ الربيع: رأيت المهدي يصلي في بهو له في ليلة مقمرة، فما أدري أهو أحسن، أم البهو، أم القمر، أم ثيابه! قالَ: فقرأ هذه الآية: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ»، قالَ: فتم صلاته والتفت إليّ فقال: يا ربيع، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قالَ: عَليّ بموسى، وقام إلى صلاته، قالَ: فقلت: من موسى؟ ابنه موسى، أو موسى بْن جعفر، وكان محبوسا عندي! قالَ: فجعلت أفكر، قالَ: فقلت: ما هو إلا موسى بْن جعفر، قالَ: فأحضرته، قالَ: فقطع صلاته، وقال: يا موسى، إني قرأت هذه الآية: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ»، فخفت أن أكون قد قطعت رحمك، فوثق لي أنك لا تخرج علي قالَ: فقال: نعم، فوثق له وخلاه. تاريخ الطبري وصلة تاريخ الطبري ٨/١٧٧
33 ) الحميري القمي، عبد الله بن جعفر: قرب الاسناد ٣٦٧
34 ) المسعودي، علي بن الحسين: مروج الذهب ومعادن الجوهر٣/ ٣٠٩ قيل: إنه مات مسموماً في قطائف أكَلَها