أصحابه حيث أخبروه بأن " الهادي قد هم بك! فقال لأهل بيته ومن يليه: ما تشيرون به عليّ من الرأي؟ فقالوا نرى أن تتباعد عنه وأن تغيّب شخصك عنه فإنه لا يؤمن عليك من شرّه"[35]
وقد أعرب موسى الهادي العباسي عن شخصيته وقسوته من خلال تعامله مع نهضة الحسين بن علي شهيد فخ حيث افتتح بها عهده سنة 169 ه، بالرغم من أن الإمام الكاظم عليه السلام لم يشارك في تلك الثورة، وبشكل عام لم يتوجه أئمة أهل البيت باتجاه الثورة العسكرية ضد الحكم الأموي أو العباسي بعد ثورة الإمام الحسين السبط، لأسباب نتعرض لها في موضع آخر.
وكان تهديد الخليفة العباسي بقتل الإمام الكاظم[36] لأنه زعم أن الحسين شهيد فخ ما خرج إلا عن أمره، فقد نقل أنه عندما جيء إليه برؤوس الثائرين " ذكر موسى بن جعفر صلوات الله عليه فنال منه قال: والله ما خرج حسين إلا عن أمره ولا اتبع إلا محبته لأنه صاحب الوصية في أهل هذا البيت قتلني الله إن أبقيت عليه.
فقال له أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي وكان جريئا عليه: يا أمير المؤمنين أقول أم أسكت؟ فقال: قتلني الله إن عفوت عن موسى بن جعفر، ولولا ما سمعت من المهدي فيما أخبر به المنصور بما كان به جعفر من الفضل المبرز عن أهله في دينه وعلمه وفضله، وما بلغني عن السفاح فيه من تقريظه وتفضيله لنبشت قبره وأحرقته بالنار إحراقا، فقال أبو يوسف: نساؤه طوالق، وعتق جميع ما يملك من الرقيق، وتصدق بجميع ما يملك من المال، وحبس دوابه، وعليه المشي إلى بيت الله الحرام إن كان مذهب موسى بن جعفر الخروج لا يذهب إليه ولا مذهب أحد من ولده، ولا ينبغي أن يكون هذا منهم.."[37]
ولم يمتد العمر به ولا الحكم أكثر من سنة[38] بعد هذه الحادثة، على أنه حكم وهو صغير السن (25 سنة) [39] وفي نفس الوقت كان يريد عزل أخيه هارون الذي عينه أبوهما المهدي وليا للعهد بعد الهادي! وهكذا أنت ترى عزيزي القارئ منذ مجيء المنصور العباسي الخليفة الثاني إلى الخليفة السادس وكل واحد منهم يتآمر على الثاني لإزاحته عن ولاية العهد، وهذا طبيعي في تقديرنا ما دامت الأمور تسير على غير الموازين والمقاييس الصحيحة، فلا الأمر خاضع للتعيين الديني ولا هو راجع إلى الكفاءة الشخصية، وإنما هي الأهواء والرغبات وهي لا تلبث أن تتضارب وتختلف، وكل خليفة يحب أن يكون ولي عهده ابنه دون أخيه!
هامش
35 ) الآبي، منصور بن الحسين: نثر الدر في المحاضرات ١/٢٤٧ وأكمل ذلك بأن الإمام عليه السلام دعا بالدعاء المعروف عند الامامية بدعاء الجوشن الصغير.. قالَ: ثمَّ تفرق القَوْم، فَما اجْتَمعُوا إلّا لقِراءَة الكتاب الوارِد بِمَوْت مُوسى الهادِي، فَفِي ذَلِك يَقُول بَعضهم فِي وصف دُعائِهِ: وساريةٍ لم تسر فِي الأرْض تبتغي … محلا، ولم يقطع بها السّفر قاطع..
وهِي أبْيات مليحةٌ ما قيل فِي وصف الدُّعاء المستجاب أحسن مِنها.
36 ) البحراني، الشيخ عبد الله في كتاب العوالم، الإمام الكاظم (ع )١/ ٢٢٩ عن عمدة الطالب أنه: قبض عليه، عليه السّلام موسى الهادي وحبسه فرأى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام في نومه يقول: يا موسى (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ) فانتبه من نومه، وقد عرف أنّه المراد، فأمر بإطلاقه، ثمّ تنكّر له من بعد، فهلك قبل أن يوصل إلى الكاظم عليه السّلام أذى ... ولا ريب أنه اشتباه. على أن الخبر فيه من التعثر ما فيه! فماذا يعني أنه قبض عليه فحبسه فأمر بإطلاقه فهلك قبل أن يوصل إلى الكاظم أذى؟ وقضية الرؤيا تلك تواتر الخبر بأنها كانت في حق المهدي لا موسى الهادي نعم ربما يكون المقصود ما سيأتي في صفحات قادمة من أن موسى الهادي هدد أمام أصحابه أنه سيقتل الإمام الكاظم فقيل للإمام في ذلك فأخبر أنه لا يصل أذاه له، وهلك موسى الهادي خلال سنة وأيام من خلافته!
37 ) المجلسي، بحار الأنوار٤٨/١٥٣
38 ) تاريخ الطبري: 8/ 213: كانت ولايته سنة وشهرا واثنين وعشرين يوما.
39 ) وهذا ما يرجح الرواية التي تشير إلى أن أمه الخيزران هي التي أقدمت على تسميمه بمساعدة جواريه وتخطيط من يحيى بن خالد وهارون بعد أن رفض تدخلها في الأمور السياسية، وربما أيضا لأنها كانت تفضل عليه ابنها الآخر هارون بالإضافة إلى أنه هو بنفسه حاول قتلها بالسم!! كما نقله الطبري في تاريخه ٨/٢٠٦: بعث موسى (الهادي) إلى أمه الخيزران بأرزّة، وقال: استطبتها فأكلت منها، فكلي منها قالت خالصة: فقلت لها: أمسكي حتى تنظري، فإني أخاف أن يكون فيها شيء تكرهينه، فجاءوا بكلب فأكل منها، فتساقط لحمه، فأرسل إليها بعد ذلك: كيف رأيت الأرزّة؟ فقالت: وجدتها طيبة، فقال: لم تأكلي، ولو أكلت لكنت قد استرحت منك، متى أفلح خليفة له أم! قالَ وحدثني بعض الهاشميين، أن سبب موت الهادي كان أنه لما جد في خلع هارون والبيعة لابنه جعفر، وخافت الخيزران على هارون منه، دست إليه من جواريها لما مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه، ووجهت إلى يحيى بْن خالد: أن الرجل قد توفي، فاجدد في أمرك ولا تقصر.