تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كاظم الغيظ : الامام موسى بن جعفر عليه السلام — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
وإذا كان المؤرخون المعاصرون للخلفاء يدافعون عنهم طمعا في دنياهم وأموالهم، فلا أعلم لماذا يدافع مثل ابن خلدون عن هارون قائلاً بأنه:" لم يكن الرجل بحيث يوقع محرماً من أكبر الكبائر عند أهل الملة ولقد كان أولئك القوم كلهم بمنجاة من ارتكاب السرف والترف في ملابسهم وزينتهم وسائر متناولاتهم لما كانوا عليه من خشونة البداوة وسذاجة الدين التي لم يفارقوها"[42]!.. ولا أعلم هل كان أولئك الحاكمون على السذاجة، أو المؤرخون الذي كتبوا عنهم ـ كابن خلدون ـ زاعمين أنه لم يكن على تلك الحال بل كان يغزو عاماً ويحج عاماً!!..نعم لو كانت غزواته كالتي ذكرت أعلاه، فلم تكن كل عام بل ربما كل يوم "[43].. هل يرى المسلمون فيما سبق وهو غيض من فيض ما ينطبق على مواصفات الحاكم المسلم الرشيد؟ 2/ بدأت المعاناة الحقيقية للإمام في عهد هارون العباسي في حوالي سنة 179 عندما أمر بأخذه من مدينة جده رسول الله صلى الله عليه وآله حيث مسكنه، واشخاصه معتقلا إلى البصرة أولا ثم إلى بغداد حيث سيبقى في سجونها المتعددة وآخرها كان سجن السندي بن شاهك، حيث تم تسميمه فيه. وسيأتي في فصل خاص ما نعتقد في موضوع سجن الإمام عليه السلام من حيث المدة والترتيب الزمني. ونعتقد أن هارون الذي كان متشبعا بمنطق الدولة والذي لا يعترف إلا بأمنها ـ الحقيقي أو الوهمي ـ فيعتقل ويقتل ويعمل ما يشاء من أجل بقائه على السلطة وبقاء الدولة تحت يده، وهذا ما نراه بملاحظة خاطفة لأكثر الحاكمين حتى في هذه الازمنة، لم يكن جاهلا بفضل الإمام عليه السلام وعلمه، ولا بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله، بل ولا يعتقد بأنه يشكل خطرا جديا عليه بمعنى أنه سيفجر حركة ثورية عسكرية في وجهه.. كل هذا لم يكن. ومع ذلك فإن منطق (هيهات لا بد من ذلك) [44] وهو نفس منطق (لو نازعتني لأخذت الذي فيه عيناك)كان هو الحاكم على التوجهات والسياسات. 3/ إن للحاكمين غالبا ومنهم هارون، شخصيتين ووجهين؛ منه ما يواجهون به العامة وهو ما ينبغي أن يظهر لهم مما يبقي شخصياتهم ضمن الدائرة الإسلامية، التي تمكنهم من البقاء على منصب الخلافة، ويأتي هنا الصلاة الظاهرية والصوم والحج والعمرة والخطابة ووعظ الناس لو احتاج الأمر إلى ذلك.. والوجه الآخر هو الوجه الحقيقي الطبيعي وهو ما يمارس به حياته الاعتيادية، من خضوع للشهوات وعدم التزام بالأوامر الالهية، ومن التنكيل بالأعداء ـ الحقيقيين والمفترضين ـ من دون أن يردعه عن ذلك رادع أخلاقي ولا ديني.. وفي هذه الثنائية نعتقد أنه يكمن الخلط والخطأ! فبعض أصحاب المصالح والراغبين في الدنيا يتعمدون إظهار الجانب الأول فيزكونه أعلى تزكية وهو لا يستحقها، ويمرون على الجانب الثاني منكرين له أو مهملين إياه وصادفين عنه، بل ربما برروا له كل ذلك! وقد مر علينا قريبا ذكر كلمات ابن خلدون في حق هارون وغيره[45].
هامش
42 ) ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون ١/‏٢٥ 43 ) آل سيف؛ فوزي: نساء حول أهل البيت 2 44 ) الصدوق، محمد بن علي: عيون أخبار الرضا (ع )١/٨٩.. هارون كان يرى أبا الحسن عليه السلام ساجدا فقال للربيع: يا ربيع ما ذاك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع؟! فقال: يا أمير المؤمنين ما ذاك بثوب وإنما هو موسى بن جعفر عليهما السلام له كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال قال الربيع: فقال لي هارون: أما ان هذا من رهبان بني هاشم قلت: فمالك قد ضيقت عليه الحبس قال: هيهات لا بد من ذلك! 45 ) كتبت كتب عن (هارون الرشيد الخليفة المظلوم (للشيخ أحمد القطان والباحث محمد طاهر زين، وقال الدكتور شوقي أبو خليل في كتابه "هارون الرشيد: أمير الخلفاء وأجل ملوك الدنيا"، إن الرشيد يحب العلم وأهله ويعظم حرمات الإسلام، وكان يبكي إلى نفسه، وكان يحج عامًا ويغزو عامًا، وكان يصلى في كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الحياة، إلا أن تعرض له علة، وإذا حج، حج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم، وإذا لم يحج بسبب جهاد أو غزوة أحج كل سنة ثلاث مائة رجل بالنفقة السابغة والكسوة الظاهرة"!