تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كاظم الغيظ : الامام موسى بن جعفر عليه السلام — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
وحججت ولقيت مولاي الصابر يعني موسى بن جعفر عليه السلام فشكوت حالي إليه فأصحبني مكتوبًا نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم اعلم أن لله تحت عرشه ظلًّا لا يسكنه إلا من أسدى إلى أخيه معروفا أو نفس عنه كربة، أو أدخل على قلبه سرورا، وهذا أخوك والسلام". قال: فعدت من الحج إلى بلدي ومضيت إلى الرجل ليلًا واستأذنت عليه وقلت: رسول الصابر عليه السلام فخرج إليّ حافيًا ماشيًا ففتح لي بابه، وقبلني وضمني إليه، وجعل يقبل عيني، ويكرر ذلك، كلما سألني عن رؤيته عليه السلام وكلما أخبرته بسلامته وصلاح أحواله استبشر وشكر الله تعالى ثم أدخلني داره، وصدرني في مجلسه وجلس بين يدي فأخرجت إليه كتابه عليه السلام فقبله قائما وقرأه ثم استدعى بماله وثيابه فقاسمني دينارًا دينارًا ودرهمًا درهمًا وثوبًا ثوبًا وأعطاني قيمة ما لم يمكن قسمته وفي كل شيء من ذلك يقول: يا أخي هل سررتك؟ فأقول إي والله وزدت على السرور. ثم استدعى العمل فأسقط ما كان باسمي وأعطاني براءة مما يوجبه علي عنه وودعته وانصرفت عنه، فقلت: لا أقدر على مكافأة هذا الرجل إلا بأن أحج في قابل وأدعو له وألقى الصابر واعرفه فعله، ففعلت ولقيت مولاي الصابر عليه السلام وجعلت أحدثه ووجهه يتهلل فرحا، فقلت: يا مولاي هل سرك ذلك؟ فقال: إي والله لقد سرني وسر أمير المؤمنين عليه السلام والله لقد سر جدي رسول الله صلى الله عليه وآله والله لقد سر الله تعالى[23]. والقصة تغني في تفاصيلها عن الاشارة إلى دروسها وعبرها وشرح ما يستفاد منها. 2/ ومتى وجد محتاجا من المسلمين سواء كان من شيعته أو من غيرهم كان يسارع إلى قضاء حاجته وترميم أمره، هذا مع أنه لم يكن الأئمة معروفين بالثراء بل كانت السلطة تتعمد إفقارهم وحرمانهم من العطاء[24]في الوقت الذي كانت تنثر أموال المسلمين بين أرجل الغانيات وأيدي الطبالين! فانظر إلى ما نقله المزي في كتابه قال: حَدَّثَنِي عِيسى بن مُحَمَّد بن مغيث القرشي وبلغ تسعين سنة، قال: زرعت بطيخا وقثاء وقرعا فِي موضع بالجوانية (قرب المدينة) عَلى بئر يقال لها: أم عظام، فلما قرب الخير واستوى الزرع، بيّتَني الجراد، فأتى عَلى الزرع كله، وكنت غرمت عَلى الزرع وفي ثمن جملين مئة وعشرين دينارًا. فبينما أنا جالسٌ طلع مُوسى بن جعفر بن مُحَمَّد، فسلم، ثم قال: أيش حالك؟ فقلت: أصبحت كالصريم، بيتني الجراد فأكل زرعي. قال: وكم غرمت فيه؟ قلت: مئة وعشرين دينارًا مَعَ ثمن الجملين. فَقالَ: يا عرفة زِنْ لابن المغيث مئة وخمسين دينارًا مع ثمن نربحك ثلاثين دينارًا والجملين. فقلت: يا مبارك ادخل وادع لي فيها. فدخل ودعا، وحدثني عن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله أنه قال: تمسكوا ببقايا المصائب.. " ثم علقت عَلَيْهِ الجملين، وسقيته، فجعل الله فيها البركة: زكت، فبعت منها بعشرة آلاف[25]. 3/ وعرفت صرر موسى بين المحتاجين حتى قيل: عجبت لمن وصلته صرر موسى بن جعفر كيف يشكو الفقر؟".. وكانَ يصر الصرر ثلاث مئة دينار وأربع مئة دينار ومئتي دينار ثم يقسمها بالمدينة وكانَ مثل صرر مُوسى بن جعفر إذا جاءت الإنسان الصرة فقد استغنى. وقد نقل المزي أيضا بسنده عن مُحَمَّد بْن عَبد اللَّهِ البكري، قال: قدمت المدينة
هامش
23 ) المجلسي، المولى محمد باقر: بحار الأنوار٧١/ ٣١٦ 24 ) الصدوق، محمد بن علي بن بابويه: عيون أخبار الرضا (ع )١/ ٨٦: ذكر خبرا طويلا عن المأمون العباسي يحكي فيه استقبال هارون أبيه للناس في المدينة وإكرامهم على حسب أنسابهم وأحسابهم، وإبدائه الاحترام الكبير للإمام موسى بن جعفر، وتقصيره الواضح في عطائه ما هو أقل من سائر الناس.. إلى أن يقول: فلما أراد الرحيل من المدينة إلى مكة أمر بصرّةٍ سوداء فيها مائتا دينار ثم اقبل على الفضل بن الربيع فقال له: اذهب بهذه إلى موسى بن جعفر وقال له: يقول لك أمير المؤمنين: نحن في ضيقة وسيأتيك برُّنا بعد الوقت فقمت في صدره فقلت: يا أمير المؤمنين تعطي أبناء المهاجرين والأنصار وساير قريش وبني هاشم ومن لا تعرف حسبه ونسبه خمسة آلاف دينار إلى ما دونها وتعطي موسى بن جعفر وقد أعظمته وأجللته مائتي دينار أخس عطية أعطيتها أحدا من الناس؟! فقال: اسكت لا أم لك فإني لو أعطيت هذا ما ضمنته له ما كنت أمنته ان يضرب وجهي غدا بمائة ألف سيف من شيعته ومواليه وفقر هذا وأهل بيته أسلم لي ولكم من بسط أيديهم وأعينهم.. 25 ) المزي، جمال الدين: تهذيب الكمال في أسماء الرجال ٢٩/‏٤٦