وبعبارة أخرى: لم يكن بيان الأحكام الشرعية خصوصا في باب العبادات على نحو التدريس في صفوف المدرسة بحيث يبدأ المدرس في كل يوم بشرح جانب ويكمله في اليوم التالي حتى يستوعب بحث الصلاة مثلا بكامله، وإنما كان بنحو آخر، وذلك أن المؤمنين كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وآله ، ومن بعده الأئمة عليهم السلام ، عن مسائل تعرض لهم فيجيبهم بقاعدة كلية، أو في خصوص المورد المعين.
ولو أردنا أن نأخذ مثالا: فقد يقول النبي أو الامام مثلا: من زاد في صلاته فعليه الاعادة. وهذا الحديث على إطلاقه يفترض أن أي زيادة في الصلاة كالركوع أو حتى القراءة وسواء كانت متعمدة أو غير متعمدة فإنها تجعل الصلاة باطلة وتوجب الاعادة.
غير أن الواقع يخالف هذا، فبعض الزيادات لا توجب الإعادة كزيادة الأذكار مثلا، وبعضها الآخر لا توجبها إلا مع التعمد مثل القراءة وسجدة واحدة، وبعضها توجب الاعادة مطلقا مثل زيادة الركوع.
لكن من أين نعرف هذا التفصيل؟ لا بد من البحث في بقية الروايات والأحاديث التي قيلت في مناسبات أخر، وكانت إجابة لأسئلة أخر.
إن عدم الجمع لما تفرق وتشظى من الروايات، بل حتى الجمع غير المرتب يجعل مهمة الفقيه عسيرة في معرفة الصورة بشكل كامل!
وإذا كان هذا الأمر صادقا في المسائل الفقهية الفرعية، فهو أصدق في المسائل الأصلية العقدية!
جاء الشيخ الكليني أعلى الله مقامه، وبدأ مهمة عسيرة في جمع الروايات المتفرقة هنا وهناك، من أفواه رواتها[5] تارة ومن كتب مؤلفيها مع تحقيق صحة انتساب الكتاب تارة أخرى.
واستغرق في هذا العمل الجليل مدة عشرين عاما كما سبق. نخل خلالها مئات الألوف من الأحاديث والروايات وحاول قدر وسعه أن يتحقق أو يطمئن من سلامة طرق النقل عن المعصومين.
ميزات كتاب الكافي:
حيث أن كتاب الكافي هو الكتاب الأهم للشيخ الكليني، وإن كان له كتب أخر، فنحن نتعرض إلى بعض ميزات هذا الكتاب:
1. شمولية أحاديث الكافي موضوعا وكثرتها عددا:
يشتمل الكافي على ثلاثة مواضيع رئيسة:
الأصول (وفيها مباحث العلم والجهل وفضل العلم، ثم بحوث التوحيد وتشتمل على صفات الله وكيفية معرفته) ومباحث الحجة 0 (وفيها أحاديث عن مقامات الحجج الالهية وصفاتهم وعلمهم ثم النصوص على الأئمة الإثني عشر واحدا واحد، وأبواب تواريخهم)، ومباحث الإيمان والكفر وفيها مجامع الصفات
هامش
5 راجع عبد الرسول الغفار: الكليني والكافي.