ويتعود به من لم يتعود ملكة النقد، والتمحيص»[83].
باقي كتبه:
ذكروا أن للشيخ الطبرسي (21) كتابا، من أشهرها بعد كتب التفسير، كتابه في سيرة النبي صلى الله عليه وآله ، وسيرة الأئمة من بعده، والذي سماه (إعلام الورى بأعلام الهدى) وهو مطبوع ويقع في مجلدين، ومن المهم الاشارة فيه إلى أن الشيخ الطبرسي لم يقف من الروايات موقف الأسير العاجز وإنما موقف العالم الناقد، فرد بعض ما هو منقول، بل ربما اشتهر من غير أصل، وناقشها نقاشا علميا لا تغلب عليه العاطفة الولائية، وإنما الدقة العلمية. فمن ذلك ما جاء في بعض الكتب عن أن المهدي المنتظر إذا ظهر قتل حتى تجري الدماء إلى الركب وهدم المساجد وتغيير المحاريب وما شابه مما يشنع به مخالفو المذهب.فهو يجيب عن ذلك في سياق حديثه عن خصائص ودلائل الامام المهدي فقد ساق الاعتراض المذكور قائلا:
مسألة سابعة: قالوا: إذا حصل الاجماع على أن لا نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنتم قد زعمتم أن القائم إذا قام لم يقبل الجزية من أهل الكتاب، وأنه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه في الدين، ويأمر بهدم المساجد والمشاهد، وأنه يحكم بحكم داود عليه السلام لا يسأل عن بينة، وأشباه ذلك مما ورد في آثاركم، وهذا يكون نسخا للشريعة، وإبطالا لأحكامها، فقد أثبتم معنى النبوة وإن لم تتلفظوا باسمها، فما جوابكم عنها؟
الجواب: أنا لا نعرف ما تضمنه السؤال من أنه عليه السلام لا يقبل الجزية من أهل الكتاب، وأنه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه في الدين، فإن كان ورد بذلك خبر فهو غير مقطوع به.
وأما هدم المساجد والمشاهد فقد يجوز أن يختص بهدم ما بني من ذلك على غير تقوى الله تعالى، وعلى خلاف ما أمر الله سبحانه به، وهذا مشروع قد فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وأما ما روي من أنه عليه السلام يحكم بحكم داود لا يسأل عن بينة فهذا أيضا غير مقطوع به، وإن صح فتأويله: أنه يحكم بعلمه فيما يعلمه، وإذا علم الإمام أو الحاكم أمرا من الأمور فعليه أن يحكم بعلمه ولا يسأل البينة، وليس في هذا نسخ للشريعة. على أن هذا الذي ذكروه من ترك قبول الجزية واستماع البينة، لو صح لم يكن ذلك نسخا للشريعة، لان النسخ هو ما تأخر دليله عن الحكم المنسوخ ولم يكن مصاحبا له، فأما إذا اصطحب الدليلان فلا يكون أحدهما ناسخا لصاحبه وإن كان يخالفه في الحكم، ولهذا اتفقنا على أن الله سبحانه لو قال: ألزموا السبت إلى وقت كذا، ثم لا تلزموه، أن ذلك لا يكون نسخا، لان الدليل الرافع مصاحب للدليل الموجب. وإذا صحت هذه الجملة، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أعلمنا بأن القائم من ولده يجب اتباعه وقبول أحكامه، فنحن إذا صرنا إلى ما يحكم به فينا - وإن خالف بعض الأحكام المتقدمة - غير عاملين بالنسخ، لان النسخ لا يدخل فيما يصطحب الدليل، وهذا واضح[84].
هامش
83 أحمد رضا في مقدمة تفسير مجمع البيان 1/25.
84 الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى 2 /311