تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من أعلام الإمامية : بين الفقيه العماني وآقا بزرك الطهراني — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
نفسها التي حاولت أن تعطي صورة ممسوخة لتاريخ رسالة الإسلام. إننا لا نعتقد أن الاستعمار الذي كان ينظر أولا بالذات إلى المصالح الاقتصادية والثروات، كان حريصا على نشر المسيحية وعلى (التبشير) إلا أنه حصل زاوج مصلحة بين هؤلاء وبين المبشرين الذين كانوا يتوهمون إمكانية تحويل المسلمين إلى المسيحية، حتى لقد (حلم) بعضهم بأن يكون عام 2020م هو عام انتشار المسيحية في بلاد المسلمين. لقد برز لصيانة هذا الدين أفذاذ تركوا راحتهم ورفاههم وراء أظهرهم، وأقبلوا على التحقيق والتنقيب والبحث فما تركوا شاردة ولا واردة يستطيعون من خلالها إفحام الخصم، وإغلاق فمه إلا وأوردوها. وكان عين الطليعة في هؤلاء والرائد الصادق في القافلة، آية الله العظمى المقدس الزاهد الشيخ محمد جواد البلاغي أعلى الله في الجنان درجات مقامه. لقد تهيأ لهذه المهمة الكبيرة رجل كبير بمقاييسها، حيث كانت تستعصي على أكثر الرجال إلا الأوحدي منهم! أستاذ أعظم مراجع العصر، وأقل العلماء شهرة! الذي «كان أحد مفاخر العصر علما وعملا.. وكان من أولئك الأفذاذ النادرين الذين أوقفوا حياتهم وكرسوا أوقاتهم لخدمة الدين الحنيف والحقيقة.. فهو أحد نماذج السلف التي ندر وجودها في هذا الزمنب كما قال شيخ المحققين آقا بزرك الطهراني. لنكن معه في المهمة التي قام بها قيام الكفوء المقتدر، من البدايات، طالبا في النجف الأشرف منذ أيام شبابه حيث ولد فيها سنة 1282هـ، وطوى المقدمات المعهودة في الحوزات العلمية، ليلتحق بعدها في الحلقات العالية من دروس الفقه والأصول، بأعاظم مدرسي الطائفة في كربلاء والنجف فقد التحق بدرس الآقا رضا الهمداني (صاحب كتاب مصباح الفقيه) في الفقه والشيخ محمد طه نجف أيضا في الفقه والآخوند محمد كاظم الخراساني في الأصول، وفي الرجال والدراية التحق بخاتمة المحدثين الميرزا حسين النوري صاحب مستدرك الوسائل كما التحق بدرس الميرزا محمد تقي الشيرازي قائد ثورة العشرين في العراق. إلى هنا والأمر عادي يسلكه في الغالب أكثر أهل العلم، وطلبة الحوزات العلمية، إلا أنه التفت إلى ضرورة التخصص في المناظرة والبحث ولا سيما مع المسيحيين الذين بدأت طلائع تأثيرهم تصل إلى بلاد المسلمين، وبدأت الهجوم الثقافي على مصادر الدين الإسلامي ياخذ بعدا مهما. فشمر عن ساعد الجد لمقاومة هذا الغزو فقام بدراسة اللغة العبرية دراسة متقنة لكي يقرأ التوراة والانجيل في لغتهما الأصلية، وبأقدم النسخ المتوفرة، وذلك أن الترجمة تفقد النصوص الكثير من دلالاتها ومعانيها. كما تعلم اللغة الانكليزية القديمة، حتى يستطيع أن يقرأ الترجمات الأولى لتلك الكتب، وأتبعها بتعلم اللغة الفارسية إذ لم يكن يعرفها لأصوله العربية. كل ذلك بالاضافة إلى معارفه الفلسفية وقدرته الاجتهادية العالية، مكنته من الولوج في عالم المناظرة الدينية بكفاءة منقطعة النظير.