وقد تكون الدعوة إلى الدستور اليوم، والحكم البرلماني، من الأمور العادية والشائعة، لكننا لو وضعنا القضية في إطارها الزمني، أي قبل مئة سنة من الزمان حيث لم يكن الوعي السياسي ووسائل الاتصال كما هي اليوم، لوجدنا أنها دعوة متقدمة وسابقة لزمانها كثيرا.
هلم عزيزي القارئ لنتعرف على هذا العالم العارف بزمانه والسابق لأوانه في وعيه، وكيف كانت بداياته والظروف التي عاش فيها.
بحسب التصنيف السياسي المعاصر فإن أصول الشيخ الآخوند أفغانية فأبوه من هراة وهي بلدة أفغانية، ولذا يقال له الهروي. وهذا يشير إلى معنى قد أكدنا عليه مرارا؛ أن الشيعة يقدسون العلم دون النظر إلى المنطقة التي يكون منها العالم، فالآخوند الذي أصوله أفغانية يكون مرجعا مع تميزه العلمي للإيراني والعراقي والباكستاني.
أما ولادته فكانت في طوس سنة 1255هـ، ودرس فيها مقدمات العلوم الحوزوية، ثم جاء إلى طهران ابن 22 سنة، وتركها بعد عشر سنوات متجها إلى النجف، قبل وفاة الشيخ الانصاري بأقل من ثلاث سنوات حضر فيها درسه، وبعده حضر عند تلميذ الانصاري الميرزا الشيرازي الكبير الذي كان يشير إليه بالفضيلة، ويحث متوسطي الطلاب على الأخذ منه، ومع هجرة الميرزا إلى سامراء، بقي الآخوند في النجف واستقل فيها بالتدريس، ونمى درسه خصوصا بعد وفاة الميرزا حبيب الله الرشتي 1313هـ حتى بلغ عدد طلابه فيما قيل ألفا من الطلاب، وتخرج على يده من المجتهدين اكثر من مئة وعشرين مجتهدا، بعضهم تسنم سدة المرجعية والبعض الآخر كان له دور في غاية الأهمية في الحوزة العلمية، والتحقيق والبحث.
فمن هؤلاء كان السيد أبو الحسن الإصفهاني، والسيد حسين البروجردي، والشيخ محمد حسين النائيني، والشيخ محمد حسين الاصفهاني، والشيخ ضياء الدين العراقي، والسيد حسين القمي، والسيد محسن الحكيم، والسيد عبد الحسين شرف الدين، والسيد عبد الهادي الشيرازي، والسيد محسن الأمين العاملي، والشيخ آقا بزرك الطهراني والسيّد صدر الدين الصدر والسيّد هبة الدين الشهرستاني. وغيرهم.
والحديث عن الجانب العلمي في حياة الآخوند مفصل، ويكفي أن يكون قد تخرج على يده كما نقل مترجمو حياته قرابة مئة من المجتهدين، وترك بعده عددا من الكتب لو لم يكن فيها غير كفاية الأصول، لكفى بذلك شاهدا على عظمة الآخوند العلمية، وسيأتي ذكر بعض أسماء كتبه لاحقا.
إلا أن الجانب الاستثنائي الذي ينبغي توجيه النظر إليه هو:
دوره السياسي في الثورة الدستورية (المشروطة):
ولمعرفة هذا الدور نشير بشكل سريع إلى الوضع السياسي الذي عاشته إيران في زمانه، حتى نضع هذا الدور في سياقه الزمني، وسنستفيد مما ذكره الدكتور الوردي وغيره في هذا الصدد:
المشروطة هي حركة المطالبة بالدستور التي ظهرت في تركيا وإيران، وسميت بهذا لأن القائمين بها اعتبروا أن مواد الدستور، هي بمثابة الشروط التي يجب أن يتقيد بها الملك في حكم رعيته وهي فكرة مستمدة
من أعلام الإمامية : بين الفقيه العماني وآقا بزرك الطهراني — صفحة 209
مساهمون: فوزي آل سيف
ص٢٠٩