محدث يحارب الغلو
الشيخ الصدوق: محمد بن علي بن بابويه
توفي سنة 381هـ
كما أن التقصير في حق الشخصيات الربانية ظلم لهم وللنفس، فإن الغلو في شأنهم وإن كان ظاهره «إيفاء كيل حقهم» لا يقل في إساءته لتلك الشخصيات عن التقصير، ويزيد عليه في هلاك الغالي من دون أن يستشعر ذلك.
إن المخالفة في بعض أجزاء العبادة قد تفسد العمل العبادي، كما أن الجهل قد يفسد العقيدة، والغلو يفسدهما معا! يفسد العقيدة حيث أنه قد ينتهي إلى ادعاء تعدد الآلهة! والشرك. كما حصل بالنسبة للمسيحيين الذين حذرهم الخالق العظيم {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ{ (سورة المائدة:77) بعدما اعتبروا المسيح ابن الله تعظيما لشأن المسيح، وهكذا الحال بالنسبة لليهود حيث اعتبروا عزيرا ابن الله!! وبعض الفرق من المسلمين حيث أشار إليهم أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه (يهلك فيَّ اثنان: محبٌ غالٍ ومبغضٌ قالٍ).
وكانت العادة أن يكون الغلاة من المقصرين في الاهتمام بالعبادات، وأحيانا التاركين لها.
ومثل هؤلاء لا ينفع فيهم نصح الناصحين عادة، وذلك أنهم يعتقدون بأنهم الوحيدون الذين يعرفون تلك الشخصيات (من الأنبياء أو الأئمة) حق المعرفة، وأما سائر الناس حتى من يوافقهم في التصنيف المذهبي فإنهم لا يعرفونهم كما يعرفهم أولئك الغلاة!
ولهذا كان من مسؤوليات العلماء والفقهاء في كل جيل أنهم ينفون عن الدين (تحريف الغالين وتأويل المبطلين) كما في الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله .
وكان أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، في طليعة قافلة العلماء الذين قاوموا الغلو والتزيد في الأمة. حيث جاء في ظرف يقول عنه الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي كان فيه مجتمع «القميين كلهم من غير استثناء لأحد منهم إلا أبا جعفر بن بابويه، بالأمس كانوا مشبهة مجبرة، وكتبهم تشهد بذلك وتنطق به»[14]. فقام بعمل علمي كبير لمقاومة تيار الغلو، واستطاع من خلال ذلك القضاء على صولة الغلاة والمتساهلين في الأحاديث ونقلها.
فلنكن مع هذا العالم الكبير منذ البداية ونتابع مسيرة حياته منذ أيام
ولادته: حيث قيل إنها كانت من فضل دعاء الإمام الحجة محمد بن الحسن المهدي[15]، وذلك أن والد
هامش
14 رسائل الشريف المرتضى 3/310.
15 محمد بن الحسن المهدي، الثاني عشر من أئمة الشيعة الإمامية ولد سنة 255هـ وحيث كانت الظروف تقتضي اختفاءه فقد غاب عن أنظار السلطة العباسية غيبة صغرى، كان خلالها يتواصل مع شيعته عبر سفراء أربعة، واستمرت غيبته الصغرى وهي فترة تعيينه للسفراء مدة 74 سنة، ثم غاب الغيبة الكبرى وهي مستمرة إلى الآن حسب اعتقاد الإمامية ويظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطا وعدلا. ولهم في إثبات ولادته وبقاء حياته أدلة مفصلة في كتب العقائد.