مترجمنا وقد كان عالما كبيرا ومحدثا مهمّاً بحيث كان العلماء إذا أعوزتهم نصوص الروايات لجؤوا إلى فتاواه! لم يرزق بأولاد إلى أن كبرت سنه، وعلى ما هو مركوز في نفس كل انسان من حبه للبقاء والامتداد في صورة ولد صالح يصل ما انقطع من والده ويحيي ما انطفأ من ذكره. فقد سيطر هذا الأمر على اهتمام الوالد علي بن موسى بن بابويه، وكان يعيش في زمان الغيبة الصغرى للإمام الحجة محمد المهدي، وتوفي سنة 329هـ.لهذا قام بارسال رسالة عبر السفير الثالث الحسين بن روح النوبختي، للإمام المهدي يسأله فيها الدعاء له بالذرية، فجاء الجواب «إنك لا ترزق من هذه وستملك جارية ديلمية وترزق منها ولدين فقيهين»[16]. وبالفعل هكذا كان فما مرت الأيام حتى اشترى جارية ديلمية، ورزق منها ولدين سمّى أحدهما بمحمد والذي عرف فيما بعد بالصدوق وثانيهما بالحسين.الولد محمد الذي كان عطية الله لأبيه على كبر سن الوالد ونفاذ عمره، كان تعويضا عن ذلك التأخير بكل المقاييس، فقد كان (آية في الحفظ) حتى كان الناس يتعجبون من حفظه وأخيه الحسين!
الانفتاح على العلم والعلماء:
أقبل محمد بن علي بن الحسين مترجمنا على العلم بنهم شديد، فقد كان يتتبع العلماء كما الواحد ضالته، وكانت الحكمة والمعرفة ضالة الشيخ المترجم، ولذا فقد أخذ العلم عن (250) من العلماء في مختلف الفنون. وهذا العدد لعمري لم يُرَ لغيره! حتى أن بعض أساتذته وشيوخه كانوا يتظاهرون ببغض أهل البيت! مثلما نقل عن أحمد بن الحسين الضبي الذي يقول عنه (ما لقيت أنصب منه وبلغ من نصبه أنه كان يقول اللهم صل على محمد فردا ويمتنع من الصلاة على آله)[17]. ولا ريب أن التتلمذ على يد مثل هذا الأستاذ والأخذ منه يحتاج إلى قدرة كبيرة على الاستيعاب للمخالف والانفتاح!
كما أنه في سبيل تحصيل العلم سافر إلى بلدان كثيرة منها: الري نيسابور، ومشهد الرضا عليه السلام ، وسمرقند، وبلخ، واسترآباد، وهمدان، وجرجان، وبغداد، والكوفة، ومكة، والمدينة [18].
دوره في تصحيح التراث الشيعي:
يعد الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين، المؤسس الثاني للموسوعات الحديثية المصنفة (ومن ذلك عد كتابه فقيه من لا يحضره الفقيه من الكتب الأربعة التي عليها مدار الاستنباط الفقهي لدى الشيعة).
هامش
16 الطوسى: الغيبة 308
17 عيون أخبار الرضا: 3/312
18 المقنع - الشيخ الصدوق - ص المقدمة 8