وفي منتصف القرن الثالث الهجري وجدنا أول المصنفات الحديثية تعتمدها الدولة مثلما كان كتاب الموطأ، حيث أمر المهدي العباسي، مالكا بن أنس أن يصنف كتابا لكي يحمل الأمة عليه! وقيل إن الذي أمره بذلك كان أبا جعفر المنصور العباسي[214].
وبالرغم من وجود مصنفين إلى جانب مالك بن أنس، إلا أن كتبهم ومصنفاتهم لم تتداول ولم تبق.
وبعد ذلك بمدة صنف إمام المذهب الحنبلي أحمد بن حنبل المتوفى سنة (241هـ) كتابه (مسند أحمد)، وجاء بعد ذلك دور أصحاب الجوامع الحديثية الكبرى بدءا من البخاري (ت 256هـ) وبعده أصحاب الكتب الستة كمسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي وأبي داود.
هذا في الوقت الذي بلغت فيه كتب الإمامية وأصولهم الحديثية إلى ذلك الوقت (زمان الغيبة الصغرى) ما يقرب من (6000) كتاب، أهمها ما عرف بـ (الأصول الأربعمائة)، تلك الكتب وهذه الأصول كانت أرضية تأليف المجموعات الحديثية الكبرى لدى الإمامية.
فقام الشيخ محمد بن يعقوب الكليني (ت 329هـ) بتأليف كتابه الكافي وقد تقدم الحديث عن الكليني والكافي، وتلاه في التصنيف الشيخ محمد بن علي بن الحسين بن بابويه المعروف بالصدوق (ت 381هـ)، وألف كتاب (فقيه من لا يحضره الفقيه)، وتلاهما الشيخ محمد بن الحسن الطوسي المعروف بشيخ الطائفة (ت 460هـ) وألف كتابيه (تهذيب الأحكام) وهو شرح استدلالي روائي على كتاب استاذه الشيخ المفيد (المقنعة)، والآخر (الاستبصار في ما اختلف من الأخبار) في الجمع بين ما ظاهره التنافي بين أخبار أهل البيت عليهم السلام .
وبقيت تلك الكتب عليها مدار البحث العلمي الفقهي خصوصا عدة قرون إلى أن جاء شيخنا المترجم الحر العاملي، وألف كتاب (وسائل الشيعة) فتقدم من الناحية العملية في الاستفادة منه على الكتب التي كانت أساسا له. وسيأتي حديث عن هذا الكتاب بعد الحديث عن مؤلفه.
المحدث محمد بن الحسن الحر العاملي:
كانت ولادته في سنة 1033هـ في بلدة مشغرة من الجنوب اللبناني، كما ذكر ذلك مترجمو حياته. ويرجع نسبه إلى الحر بن يزيد الرياحي الشهيد في كربلاء[215]، وهنا ينبغي أن نشير إلى نقاط:
هامش
214 ذكر كلا الروايتين محمد بن جرير الطبري في كتابه المنتخب من ذيل المذيل 143.
215 الحر بن يزيد الرياحي اليربوعي: قائد عسكري، من بني تميم بعثه عبيد الله بن زياد أيام ولايته على الكوفة، على رأس فرقة مقاتلة ((1000 رجل، للقبض على الإمام الحسين قبل وصوله إلى الكوفة، فتقابلا في منطقة (ذو حسم( ولم يحصل بينه وبين الامام قتال، وإنما ظل يساير الحسين إلى أن وصلا إلى كربلاء، وانتهى به الأمر في يوم عاشوراء بعد أن رأى عددا من مواقف الطرفين إلى أن أصبح في جيش الإمام الحسين وقاتل ضد الأمويين واستشهد إلى جانب أصحاب الحسين سنة 61هـ، وكان مثال التوبة والانتقال من معسكر الضلالة إلى الهداية. له قبر ومشهد في ضواحي كربلاء.