عمر إلى صرار [209] فتوضأ فغسل اثنتين ثم قال أتدرون لم مشيت معكم قالوا نعم نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيت معنا!
فقال إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم! جودوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم امضوا وأنا شريككم فلما قدم قرظة قالوا حدثنا قال نهانا عمر بن الخطاب.[210]
وفي المقابل كان الامام علي عليه السلام ومن سار في خطه من الصحابة وبني هاشم يحرصون على تدوين سنة النبي صلى الله عليه وآله ، ويؤكدون على حفظها، وكان ذلك انسجاما مع توجيهات النبي حيث كان يتم التأكيد على (استعن بيمينك) و(قيدوا العلم بالكتابة).وكانت أحاديث النبي المكتوبة عندهم تساوي قيمة كثيرة كما يشير إليها حديث فاطمة الزهراء عليها السلام، فعن ابن مسعود، قال: جاء رجل إلى فاطمةC فقال: يا ابنة رسول الله، هل ترك رسول الله صلى الله عليه وآله عندك شيئا: تطرفينيه [211]. فقالت: يا جارية، هات تلك الحريرة! فطلبتها فلم تجدها، فقالت: ويحك اطلبيها، فإنها تعدل عندي حسنا وحسينا.[212]
ولذا فقد كان لدى أهل البيت عليهم السلام عدد من الصحف والأحاديث التي احتوت على علم رسول الله صلى الله عليه وآله وكانوا يتوارثونها كما صرحوا بذلك في مواضع مختلفة وأشاروا إليها، فنلاحظ أنه يرد ذكر كتاب علي عليه السلام بإملاء رسول الله وخط علي، ومنها صحيفة الجامعة وكتاب الجفر.
واستمر أتباع أهل البيت في التدوين وكتابة أحاديث الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وشهد هذا الأمر تطورا واضحا أيام الإمام الصادق عليه السلام ، حيث كان له من التلامذة العدد الكبير في المدينة والكوفة حين نزلها وصارت مصنفاتهم أرضية الجوامع الحديثية الكبرى فيما بعد.
بينما بقي خط الخلافة الرسمي على موقفه في رفض التدوين للسنة النبوية، وبطبيعة الحال لم يكن يعترف بإمامة الأئمة فلم ينقل عنهم رواياتهم، واستمر ذلك إلى أيام الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز سنة 99هـ، حيث أمر بأن يتم تدوين حديث رسول الله. وهذا وإن كان عملا حسنا إلا أنه جاء متأخرا جدا، وذلك أن كثيرا من الأحاديث قد ماتت بموت حفظتها ورواتها حيث لم يدونوها ولم تنقل عنهم إذ أن النهي في العصور الأولى امتد إلى منع الحديث. كما أن الفترة الأموية الأولى شهدت حركة وضع للأحاديث لتأييد النهج الأموي[213].
هامش
209 موضع ماء خارج المدينة في طريق القوافل إلى العراق.
210 ابن عبد البر؛ جامع بيان العلم وفضله 2. 120.
211 أي تهدينه إلي.
212 دلائل الامامة - محمد بن جرير الطبري (الشيعي). 65.
213 للتفصيل يراجع كتاب أضواء على السنة المحمدية للشيخ محمود أبو رية.