وعلى هذه القاعدة فقد استدعى الشاه جلال الدين، السيد نور الله الشوشتري ليكون القاضي الأول في مملكته. الأمر الذي لم يعجب الكثير من علماء ذلك الوقت، ممن كانوا مقربين من البلاط الحاكم، لا سيما وأنهم يعتقدون بانتماء السيد نور الله للتشيع مادام قادما من خراسان ومولودا في جنوب ايران.
وقبل الشوشتري العرض من الشاه جلال الدين، بشرط أن يقضي بما يترجح له من آراء المذاهب، حيث أنه كما قال للشاه، مجتهد يستطيع أن يرجح بين أقوال أئمة المذاهب الأربعة، ولن يتخطاها!!
وبالفعل فقد كان يقضي بين الخصوم بما يعتقده من الحق، ويبحث في أقوال المذاهب عما يؤيده، ومرت الأيام على هذا الأساس، وهذا يشير إلى أن مواطن الاتفاق بين الشيعة والمذاهب الأربعة كثيرة جدا، ولا سيما في أمور المعاملات بالمعنى الأعم، حيث هي مجال قضاء السيد الشوشتري.
فإنه ربما تكون الاختلافات في الأمور العبادية كثيرة إلا أنها ليست كذلك في أمور المعاملات، حيث تقوم تلك الأمور على أدلة عقلية أو عقلائية أو عمومات وقواعد، ومناشؤها تكاد تكون واحدة بين الفريقين [187].
ولم يهدأ للمنافسين له بال، فالحسد الشخصي هنا لا يترك للشخص مجالا، ويصبح كل هم هذا الشخص أن يسقط محسوده الذي يعتقد فيه أنه أخذ موقعه الخاص!! واعتدى على مقامه. ولا مانع هنا أن يتوسل بالمذهب والدين، وأن وجود هذا الشخص خطر عليهما، ومثلما نشهد في كل وقت حين تتحرك السياسة حينا، والمصلحة الشخصية حينا آخر، للمواجهة ولكنها تغلف بغلاف الحرص على الدين، والدفاع عن المذهب! فكانوا يرفعون إلى الشاه جلال الدين عن القاضي نور الله كلاما، وتقارير كيدية، ولكن جلال الدين لم يكن يعبأ بها بعدما وثق في القاضي الشوشتري، الذي كان قد أحكم أمره.
إلى أن توفي الشاه جلال الدين، وقام بالأمر بعده ابنه جهانكير شاه، وكان هذا متعصبا! فاستطاع بعض الطائفيين من العلماء أن يؤثر عليه، وعملوا له كمينا. عندما أمروا شابا أن يظهر التلمذة على القاضي، وأن يرافقه ويتعلم منه، بل يخدمه في منزله، حتى إذا اطمأن إليه وأظهر أنه من محبي أهل البيت! اطلع على بعض كتبه ومصنفاته التي كان يعدها، ومنها كتاب مجالس المؤمنين الذي يعرب بشكل واضح عن قوة تشيعه[188].
وعندما وجد هذا الكتاب (وقيل كتاب إحقاق الحق) لديه واستنسخه منه، أوصله إلى مخالفيه المتآمرين عليه، وهؤلاء بدورهم أخبروا الحاكم جهانكير عن الكتاب وماذا يعني. فحكموا عليه. بأن يضرب بالأسلاك الشائكة في الشمس حتى يموت!!
فانظر إلى التعصب وماذا ينتج؟ وهل ترى عزيزي القارئ أن الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين، ينتج هذا التعذيب؟ هل تعتقد أن الله سبحانه وتعالى يحكم على من يكون في مذهبه مواليا لأهل بيت نبيه، ويضطر نظرا للظروف الاستثنائية التي صنعها الحاكمون وأعوانهم أن يخفي مذهبه تقية، وأن
هامش
187 لتفصيل ذلك يراجع كتاب ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللئالي، وتقدم الحديث فيه.
188 بتصرف من فيض الاله في ترجمة القاضي نور الله ص 31.