نعم قد يرد دليل آخر يدلّ - بالصراحة أو الظهور الواضح - على إرادة المعنى المجازي . فحينئذٍ يرفع اليد عن المعنى الحقيقي ويحمل الكلام على المعنى المجازي .
وذلك الدليل الآخر تارة : يكون صريحاً في مدلوله ، وأخرى : ظاهراً في مدلوله بالمفهوم .
أما المورد الأوّل : فمثال ذلك أنّه ورد في بعض النصوص « غسل الجمعة واجب » وورد في بعض آخر « لا بأس بترك غُسل الجمعة » فيكون صراحة الدليل الثاني في جواز ترك غسل الجمعة موجباً لرفع اليد عن ظهور لفظ « واجبٌ » في الرواية الأولى في معناه الموضوع له الحقيقي - وهو البعث الالزامي - وحمله على معناه المجازي ، وهو أصل الثبوت ؛ أي ثابت في الشريعة ، وهو أعمّ من الوجوب والاستحباب .
مثال آخر : ورد في بعض النصوص : « ثمن العذرة سحتٌ » وفي بعضها آخر : « لا بأس ببيع العذرة » . فحينئذٍ يدور الأمر في الرواية الثانية بين كون لفظ « العذرة » بمعناه الحقيقي - وهو غائط الانسان - وبين كونه بمعناه المجازي ، وهو غائط غير الانسان من ساير الحيوانات ، بناءً على كونه حقيقة في الأوّل ومجازاً في الثاني . فيكون الرواية الأولى الصريحة قرينة على إرادة المعنى المجازي في الثانية .
وأما المورد الثاني : كموارد وقوع التعارض بين العام والمفهوم ، فقد يراجع هذا التعارض إلى التعارض بين إرادة المعنى الحقيقي وبين إرادة المعنى المجازي فيالدليل العام ، ولكن يُقدّمالمعنى المجازيبقرينة مفهومالدليل الآخر .
وأمثلة ذلك كثيرة ذكرناها في باب المفاهيم من كتابنا « بدايع البحوث » « 1 » .
هامش
( 1 ) بدايع البحوث : ج 2 ، ص 160 - 243